الجمعة، 24 أكتوبر 2008

القربي ينتقد "الاصلاح" المستورد.. والمنتدى يثمن جهود اليمن خلال دورةٍ لم تُعقد..
منتدى المستقبل... الطاولة بثلاثة ارجل

سامي نعمان:
استضافت ابوظبي الاسبوع الماضي، أعمال منتدى المستقبل بدورته الخامسة، بحضور ممثلي 38 دولة، بينها ممثلو الدول الثمان الصناعية الكبرى، وسط تشكيك رسمي بمدى نجاح المنتدى في تحقيق اهدافه، خصوصا في ظل تخفيض التمثيل الرسمي للدول الكبرى، وتركيز عربي على قضية اصلاح "غير مستورد"، كان الاكثر صراحة في التعبير الدكتور ابوبكر القربي رئيس الوفد اليمني المشارك في المنتدى، رئيس الدورة السابقة التي فشلت في الانعقاد في صنعاء اواخر العام الماضي، بيد أن الامريكيين ليسوا اقل صراحة، اذ ردوا بالحديث عن طاولة بثلاثة ارجل الامن والديمقراطية والاقتصاد، التي تحدث عنها الدكتور القربي، ويؤكدون ايضا ان الحفاظ عليها حفاظ على امنهم القومي، واحدى تجلياتها الانتخابات في بلدان الشرق الاوسط بما فيها بعض تلك المنتقد للاصلاح "المستورد"..
فبعد الكلمة الافتتاحية التي القاها وزير الخارجية الاماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، الذي تترأس بلاده واليابان الدورة الحالية للمنتدى، والتي اتبر فيها أن الإصلاح في الشرق الأوسط «هو مطلب وطني قبل أي شيء آخر»، كانت كلمة الدكتور القربي الاكثر تذمراً وجرأة وصراحة في التعبير عن مضمون التنويه الحصيف للوزير الاماراتي، إذ أكد، أن مسؤولية المنتدى تقع على عاتق دول المنطقة في المقام الأول وأن عليها تحمل مسؤولية إدارته وتفعليه بما يحقق طموحاتها في الإصلاح والديمقراطية والحريات، مؤكدا أن فرض أي إصلاح لا تقبله دول المنطقة وشعوبها سيكون مصيره الفشل.. مشيرا إلى غياب للدعم الحقيقي للإصلاحات والتحديث خاصة للدول التي بدأت خطوات جادة لتحقيقه "لأنه بدون هذا الدعم المادي سنظل في دائرة الكلام دون الانتقال إلى مرحلة العمل"، كذا وزير الخارجية السوري وليد المعلم الذي صرح للصحفيين على هامش المؤتمر فالمعلم قال للصحفيين «نحن نعيش في منطقة في الواقع ضحية لسياسات تقرر في الخارج دون التشاور مع بلدان المنطقة ونحن نحصد اخطاء هذا الواقع»، مضيفاً: «بالحديث عن منتدى المستقبل، يجب ان يكون مستقبل هذه المنطقة من صنع ابناء هذه المنطقة وبقرار منهم دون اي فرض او وصاية من الخارج»،.
وبأي حال من الاحوال ، تبدو تصريحات الدكتور القربي مرتبطة باستضافة فاشلة لأعمال الدورة الرابعة لمنتدى المستقبل العام الماضي في صنعاء والتي اُجلت لمرتين لتعلن الخارجية اليمنية في نهاية يناير من العام الجاري اعتذار الحكومة عن استضافته بعد تجاوز فترة انعقاده التي كانت مقررة في ديسمبر 2007، وايضا عدم حصولها على موعد جديد من الدول الثمان، اضافة الى الاشكالية المتمثلة في انتقال الرئاسة من المانيا الى اليابان... ورغم ذلك جاء في موجز رئاسة المنتدى أن المشاركن ثمنوا الجهود التي بذلتها الإمارات العربية المتحدة، لاستضافة المنتدى، بما فيها مساهمة اليابان، إضافة الى جهود اليمن وألمانيا، في إطار أعمال الدورة السابقة للمنتدى عام 2007.
خلف الكواليس كان الحديث يدور عن الغاء أميركي لانعقاد المنتدى بنسخته الرابعة ونقل مقر انعقاده الى دولة اخرى لدواع أمنية، بعد موافقة 63 دولة على المشاركة في المنتدى الذي اسسه الرئيس الأمريكي جورج بوش في 2004 كجزء من مبادرته للشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، ويُعرّف بأنه جهد مشترك بين تلك الدول والثمان الصناعية وشركاء آخرين من الدول الديمقراطية من اجل التنمية والتطوير في مجالات الإصلاحات السياسة والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة»....
الحديث عن الالغاء الاميركي لانعقاد المنتدى في صنعاء جاء على خلفية احتدام الجدل بين الادارة الاميركية وصنعاء حول افراج السلطات اليمنية عن المواطن اليمني جمال البدوي الذي تتهمه الولايات المتحدة بالوقوف وراء تفجير المدمرة كول في شواطئ عدن عام 2000، وأجمالا حول ملف الارهاب..
هو ذاته الملف الذي لا يبدو انه اصبح محل ثقة بين واشنطن وصنعاء رغم التقارب النسبي الاخير بعد ان تمكنت قوات الامن اليمنية من قتل خلية القعيطي وجماعة من رفاقه في اغسطس الماضي، والقعيطي هو احد الفارين من سجن الامن السياسي في فبراير 2006، ويتهم بالوقوف وراء هجوم فاشل بالقاذفات استهدف السفارة الاميركية في مارس 2008، ومن بعده الهجوم الذي استهدف السفارة الاميركية 17 مارس الماضي..
ورغم ان السلطات الرسمية اليمنية تؤكد أن الهجوم الاخير، الذي تؤكد على وصفه بالفاشل، عزز من مستويات التعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الارهاب، إلا ان هناك تشويشا جلياً في مدى مستوى العلاقات بين الجانبين، والمجتمع الدولي بشكل عام، اذ تولي تلك الدول، في علاقاتها مع اليمن على الاقل، اولوية قصوى لمكافحة الارهاب على تقديم المساعدات التنموية والانسانية.
ذلك ما عبر عنه بصيغة اخرى وزير الخارجية ابوبكر القربي بالحديث عن "دول في المنطقة -منها الجمهورية اليمنية- لم تحظ بالدعم الكافي سواء لبرامجها التنموية الطموحة أم لجهودها في مكافحة الإرهاب أم للأعباء الكبيرة التي تتحملها نتيجة الأوضاع في القرن الأفريقي.
منظمات المجتمع المدني التي عقدت منتداها الموازي في دبي أيضاً، حظيت بنصيب من نقد الوزير القربي، بشكل أثار حفيظتها، اذ شدد على ضرورة ان يكون عمل منظمات المجتمع المدني متوافقا مع القوانين والدساتير السائدة في بلدانها وألا يتم التعامل معها وكأنها وسائل للضغط على الحكومات، مؤكداً ضرورة رفض مبدأ إستقواء منظمات المجتمع المدني بالخارج لأن ذلك سيقوض من مكانتها في مجتمعاتها ويضر بدورها الهام وشراكتها مع الحكومات في مسيرة الإصلاح والتنمية؛ لأن منظمات المجتمع المدني يجب أن تنطلق في نشاطها من مبدأ التكامل والشراكة مع الحكومات والالتزام بالقانون". هذا الامر يرتبط باحراج وضغط كبيرين تعرضت له الحكومة اليمنية من قبل منظمات المجتمع المدني اليمن وبقية دول العالم على خلفية عدد من القضايا وابرزها سجن الصحفي عبدالكريم الخيواني بتهمة الارتباط بخلية ارهابية، وكانت سفارة اليمن في الولايات المتحدة الامريكية من اكثر السفارات تضررا وتعرضا للضغوط من قبل منظمات المجتمع المدني الامريكية، وقد اعلنت الخارجية الامريكية موقفا مستاءا من تلك المحاكمة.
منظمات المجتمع المدني في اجتماعها الموازي، التي تميزت بحضور يمني اثار استياء الخارجية الاماراتية، ، طبقا لموقع نيوز يمن، لجهة كثرة العدد ومنع الوفد اليمني من المشاركة، الا في حال تقليص "العدد اليمني"، لم تفوت تصريحات القربي دون نقاش، فقد ذكرت صحيفة الشرق الاوسط ان "ممثلي مؤسسات المجتمع المدني رفضوا الانتقاد اللاذع الذي وجهه إليهم وزير الخارجية اليمني، عندما طالبهم بالألتزام بالدساتير والأنظمة في دولهم، واستغربوا تصريحاته في جلسة مغلقة، معتبرين أنهم ملتزمين بهذه الدساتير، متهمين في الوقت ذاته بعض الحكومات بعدم الالتزام بالأنظمة والدساتير ولديها خروقات قانونية واضحة.
المشاركون في اجتماع دبي الموازي استاؤوا لطغيان الهيمنة الرسمية والقبضة الأمنية الشديدة وسوء الإدارة الحكومية حيث عانى المشاركون، في مؤتمر مخصص للدمقرطة والاصلاح، منع دخول الصحفيين او توزيع أي وثائق او معلومات داخل القاعة مع رقابة أمنية لصيقة والتدخل المستمر بأعمال المجتمع المدني الذي قالوا إنه بقي خلال السنوات الماضية في المغرب والبحرين والأردن واليمن(حيث عقد الموازي ولم يعقد الاساسي) يتصف باستقلالية وحرية تامة وبدون أي تدخلات رسمية..
واستمر الدكتور القربي بحديثه الصريح، إذ اشارإلى عدم دعوة إيران لحضور أعمال المنتدى، حيث انتقد، وطبقا لصحيفة "الشرق الاوسط" ايضا، «عدم دعوة دول أخرى من المنطقة»، معتبرا أن عدم دعوة هذه الدول له «آثاره السلبية على المنتدى لدى الأوساط السياسية ومنظمات المجتمع المدني في دولنا»، وهو التصريح الذي يأتي غريباً في سياق المنتدى وفي مرحلة العلاقات اليمنية الايرانية، فالقربي كان يتحدث في دولة الامارات التي تشهد علاقاتها توترا كبيراً مع طهران على خلفية النزاع على الجزر الثلاث التي تسيطر عليها ايران، وتعدها الامارات محتلة، وفي منتدى تحمل بصمة منشأه العلامة الاميركية، وفي وقت تعيش العلاقات اليمنية الايرانية اسوأ مراحلها، وهو ما يتبدى من خلال تكثيف المحاكمات لجماعات متفرقة اما أنها تضم ايرانيين متهمين بتهريب مخدرات الى اليمن او اخرى متهمة بارتباطها بإيران، كما أن اصابع الاتهام الرسمية بمستوياتها المختلفة لم ترفع بعد عن طهران كداعم اساسي لتمرد الحوثي، او حتى من خلال شركة كهرباء مارب التي تتولاها شركة ايرانية التي وصلت خلافاتها مع الحكومة اليمنية حدا فاصلا يقترب من انهاء العقد.. يبدو الحديث عن ايران هنا محاولة للاشارة الى استقلال اليمن بسياساتها وتوجهاتها بعيدا عن المؤثرات الداخلية والضغوط الخارجية.
وغابت عن اعمال المنتدى الدكتورة كوندوليزا رايس ، التي تقضي ايامها الاخيرة في الوزارة ولا يبدو راجحا حتى اللحظة بحسب استطلاعات الرأي ان جمهوريا سيخلفها فيها، غير ان ذلك لم يعرقل الانعقاد كما حصل الدورة الفارطة في اليمن، وابتعثت بالنيابة مساعدها جون نيغروبونتي..
مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون حقوق الانسان وهو القسم الذي تثير تقاريره السنوية امتعاضا شديدا لدى غالبية الدول العربية، وتعده تدخلا في شؤونها الداخلية، تكفل بالرد على النزعة العربية في الاستقلال "المستحيل" بالمنتدى واهدافه، يقول السيد ديفيد كريمر "منذ 2004 وحتى اليوم حققنا تقدما كبيرا والولايات المتحدة كبلد ستبقى ملتزمة بقوة بارساء الديموقراطية والحرية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لاننا نعتبر ان ذلك جزء من مصلحتنا القومية واعتقد ان دول المنطقة تعتبر الامر كذلك من مصلحتها القومية"، هو اذا بوجه نظر السيد كريمر توافق مبطن يجافي التصريحات المعلنة التي اطلقت في المنتدى وضمنت في توصياته.
دورة المنتدى التي ولدت في المغرب عام 2004، عود الى ذات البلد في دورتها السادسة، وكان البعض من ممثلي الحكومات يراهنون على أن منتدى المستقبل الذي ولد في المغرب عام 2004م سيموت في الإمارات 2008م، وهو مالم يحصل رغم مروره بحالة موت سريري في اليمن، وبحسب عزالدين سعيد الاصبحي منسق اللجنة الإقليمية التحضيرية للمنتدى، فـأن "منتدى الإمارات كان الأقل من حيث الفاعلية بالنسبة للمنتديات السابقة إلا انه نجح في تحديه كافة الصعوبات الجمة".
غير ان نجاح المنتدى من فشله لا زال امرا غير متوافق عليه، وهناك اختلافات كثيرة حول ذلك، ابرزها ما اثير من قبل الوزير القربي حول التنمية والحرب على الارهاب، والاصلاحات المدفوعة من الخارج، ورغم ان توصيات المنتدى انساقت وراء كلمات المشاركين لتؤكد على ضرورة "محلية" الاصلاح، و"عالمية" الدعم، وتحمل مسؤولية إدارته وتفعليه بما يحقق طموحاتها، الا ان الحديث اياه يبدو عاطفيا اكثر واقعي، فالدول العربية تقيم نجاح المنتدى من فشله بمستوى التمثيل الغربي فيه، وهو المبرر الذي الغت به صنعاء منتداها العام الماضي بسببه، هذا ان صح خبر الاعتذار اليمني، وتلك الدول هي ذاتها التي تجتمع وفقا للمبادرة الامريكية(حتى مع اسرائيل كما في مؤتمر انابوليس)، وتغفل ان تمويل المنتدى البالغ 25 مليون دولار القسم الاكبر منه مصدره الولايات المتحدة.
عن الشكوك حول مستقبل المنتدى الذي يرى ناشطون ومسؤولون ان حصيلته متواضعة قال مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون حقوق الانسان ديفيد كريمر "مستقبل المنتدى ايجابي لكنه يتطلب استمرارية في التزام دول مجموعة الثماني ودول الشرق الاوسط الكبير والمجتمع المدني كما ان التقدم يتطلب وقتا".
وعن تراجع ارساء الديموقراطية في المنطقة ضمن الاجندة الاميركية خصوصا لصالح الاعتبارات الامنية قال كريمر ان "الامن والديموقراطية والاقتصاد كطاولة لها ثلاثة ارجل (..) لا اعتقد ان هناك في واشنطن اشخاصا جديين يعتقدون ان الديموقراطية قد تقوض الامن"... معلوم في هندسة الاشكال ان مجموع اي ضلعين في مثلث أطول من الضلع الثالث... معلوم بالضرورة ان الضلع الاطول هو ضلع الامن في حين يبقى ضلعا الديمقراطية والاقتصاد هما الضلعان الاقل تاثيرا والذين قل ان يجتمعا معاً لينالا من الضلع الثالث، فمعظم الدول فقيرة مع ديمقراطية اشد فقراً، ولا سطوة الا لضلع الامن الذي يبدو انه بات الاشد وطأة على جميع المكونات بما فيها الضعلين الاخرين ..
وجهة النظر الامريكية تبدو متفائلة، يؤكد ديفيد كريمر لوكالة فرانس برس ان للمنتدى مستقبلا بغض النظر عن هوية الادارة الاميركية، في حين قال جون نيغروبونتي مساعد رايس في كلمة امام المنتدى ان الادارة الاميركية المقبلة "سترث مبادرة قوية وصحية" مشيراً إلى تنظيم انتخابات في الامارات للمرة الاولى وكذلك انتخابات في اليمن والكويت والبحرين وتجارب انتخابية في السعودية وقطر، تلك هي أهم الانجازات التي تحققت في المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية كإحدى ثمار المنتدى رغم ان تاريخ بعضها يعود الى عقود قبل ميلاده... ليس معلوما حتى اللحظة مستقبل المنتدى خصوصا في ظل تبعات الازمة المالية التي دخلت في جدول اعمال المنتدى اجباريا، وايضا في ضوء ما ستحمله نتائج انتخابات نوفمبر القادم في اميركا في تحديد الهوية الامريكية التي تحدث عنها كريمر، والتي تشير مؤشراتها الى وصول اول رجل اسود الى البيت الابيض، وهو الرئيس الذي يبدو مختلفا بشكل كبير عن سابقه، ذلك ما يتخوف منه ناشطو المجتمع المدني الاميركي المهتمين باصلاح الشرق الاوسط زالذين بدأوا يتخوفون من وصول باراك أوباما والذي يرونه متحمسا للعودة لمعالجة كثير من الاختلالات في حياة المواطن الاميركي، في حين ستأتي اولويات الاصلاح في اجندته ثانيا وربما اخيراً..

الأحد، 21 سبتمبر 2008

تسلمت درع الاعمار قبل ان تقوم به... وكُرّمت على وعد انتخابي..
اليمن أمام موجة احراجات جديدة على خلفية اعمار لبنان

سامي نعمان:
مع مرور اكثر من عامين على حرب يوليو تموز في لبنان تتزايد موجة الاستياء الشعبي والرسمي اللبنانية تجاه الجانب اليمني الذي لا زال يلتزم الصمت حيال وعود اطلقها بعد وقف اطلاق النار، تمثلت في اعادة اعمار احدى بلدات الجنوب التي
تأثرت بالقصف الاسرائيلي، خصوصاً أن جميع المساهمين، طبقاً لمصادر مؤكدة، قد اوفوا بالتزاماتهم في اعمار ما وعدوا به وبقيت اليمن محتفظة بوعد لم تتقدم خطوة واحدة في سبيل تحقيقه..
في مثل هذه الايام تقريبا من شهر سبتمبر قبل عامين كان عضو مجلس الشورى (الامين العام السابق للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري) عبدالملك المخلافي يزور جنوب لبنان في مهمة قومية فرضتها تبعات حرب تموز بين حزب الله واسرائيل صيف 2006،وبتكليف من الرئيس علي عبدالله صالح.. يومها كان المخلافي يحمل في جعبته وعداأعلن باسم الشعب، ومغلف بغلاف رئاسي بإعمار بلدة البرج الشمالي التي دمرتها الحرب.. هذا الوعد، الذي جاء متزامنا مع جملة وعود محلية أُطلقت في زخم حملةانتخابية في الفترة التي كانت تشهد تنافساً انتخابيا على كرسي الرجل الاول في البلد، لم يتحقق حتى اللحظة..
لكن يبدو ان اللبنانيين لن ينتظروا، كما اليمنيين، اجلا غير مسمى يتحقق فيه ما وُعدوا به، فهم يلجأون الى تصعيد احتجاجات "لبنانية" مختلفة، تضع الجانب اليمني في مزيد من الاحراجات، بعد ان سوّق نفسه كداعم اقليمي ومساهم في اعادة الاعمار..
مؤخرا وفي خطوة بدت أكثر إحراجا للجانب اليمني ، دعا المجلس الشيعي الاعلى السفير اليمني لتسليمه درع المجلس لمساهمة بلده في اعمار الجنوب!! حينها تجنب السفير اللقاء وكلف احد مستشاريه بتسلم الدرع... كذلك دُعي مسؤولو السفارة اليمنية لحفل عشاء تكريمي للمساهمين في اعادة اعمار الجنوب، ولم يعلم ان كانوا حضروا ام فضلوا الاعتذار!!
في الذكرى التاسعة والعشرين لتولي رئيس الجمهورية مقاليد الحكم اوردت صحيفة26 سبتمبر الخبر التالي: علمت 26 سبتمبر بان اليمن بدأت الإجراءات التنفيذية لإعادة إعمار بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان التي تعرضت للتدمير جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006م.
وكانت اليمن قد أعلنت سابقاً تبرعها بإعادة إعمار البلدة تعبيراً عن تضامنها مع الجمهورية اللبنانية الشقيقة وتجسيداً للعلاقات الأخوية المتينة بين البلدين الشقيقين... هذا الخبر وفقا لمصادر في بيروت ليس مترجما على الواقع كما جاء في الخبر الذي زامن نشره مناسبة شخصية باتت تقترب من اعلانها مناسبة وطنية..
وعلم "نيوزيمن"ان السفير اليمني في بيروت فيصل أمين ابورأس خاطب مؤخرا -بعد خبر صحيفة 26 سبتمبر- رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزيرالخارجية كل على حدة مبينا حجم الضغوط التي يتعرض لها وأن طاقم السفارة باتوا منقطعين عن التواصل والمشاركة في الفعاليات الرسمية والسياسية والحزبية
المختلفة وأنهم يتجنبون قادة المقاومة ومسؤولي مجلس اعمار الجنوب، غير انهم لم يتمكنوا من تفادي لقاء المتضررين وتجاهل اتصالاتهم، وهو ما يمس مباشرة طبيعة عملهم.
وتشير المعلومات أن من بين المقترحات التي تراوح مكانها تكليف وزارة الاشغال اليمنية بمهمة "قومية" لاعادة الاعمار، غير ان شيئا لم يستجد في هذا الجانب، رغم عمر هذا المقترح الممتد لما يقارب اربعة اشهر.. وتحضر قضية اعمار بلدة البرج الشمالي في الاعلام الرسمي كموضوع يتم الحديث عنه في لقاءات مسؤولي السفارة اليمنية في لبنان بالمسؤولين هناك، او لقاء مسؤولي سفارة لبنان في صنعاء بالمسؤولين هنا، تحضر كدليل على عمق العلاقات الثنائية بين البلدين، في حين هي على الواقع تبدو انها ستكون سببا في التأثير على مصداقية اليمن اذا ظلت وعداً يراوح مكانه..
فحدة الانتقادات تجاه اليمن تشتد مع حلول الشتاء ببرده القارس على بلدات الجنوب، فقد سبق ان وجهت العام الماضي انتقادات شديدة لليمن مع حلوله من قبل مسؤولي مجلس الجنوب..
في نوفمبر من العام الماضي عبر مصطفى شعيتلي عن اسفه لوضع ساكني بلدة البرج الشمالي التي يراسها وقال "رغم مباشرة الفرق الفنية من المهندسين التابعين لمجلس الجنوب بالكشف على الأضرار وإنجاز الملفات اللازمة بهذا الخصوص،إلا أنالمساعدات لم تصل لغاية اليوم، رغم الاتصالات التي حصلت مع سفير دولة اليمن"،
وجدد أمله في أن يوضح "الأشقاء في اليمن مصير هذا الملف الذي بحوزتهم قبل فصل الشتاء تفاديا للظروف الصعبة التي يمكن أن يواجهها الأهالي، وخصوصا أن العديد من منازل البلدة لا تصلح للسكن، والاهالي يعانون كثيرا من برد الشتاء القارس.
وسبق أن أبدى رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري استياءه من عدم إنجاز الرئيس علي عبدالله صالح وعده ببناء قرية برج الشمالي، بعد خمسة أشهر من انتهاء الحرب.
وكانت اليمن تُسوّق مبررات التأخير انطلاقا من الازمة التي ظلت تعيشها الساحة اللبنانية جراء الانقسام السياسي الذي اشتدت حدته بعد حرب تموز، واعتصام المعارضة في ساحتي الشهداء ورياض الصُلح، ودخول لبنان ازمة الفراغ الرئاسي، اذكان الجانب اليمني يسوّق الفراغ والانقسام الذي يعيشه لبنان وتخوفه من اخذ موقف تجاهه من الموالاة او المعارضة اذا تعامل مع احدهما كمبرر للتأخير.. غير أن معنيون لبنانيون يردون: اعادة الاعمار ومصلحة لبنان لا تخضع للمكايدات السياسية
سواء كان الاعمار عن طريق حركة أمل او تيار المستقبل..
كان هناك دولا عدة قد قامت مبكرا باعادة اعمار ما التزمت به ابرزها قطر وايران... في حين كانت هناك عوامل اخرى تدعم تلكؤ اليمن عن الوفاء بالتزاماتها ربما يكون ابرزها انسياقها وراء بعض دول الجوار التي ترتبط معها بمصالح
استراتيجية وتسعى الى ان تحذو سياساتها وتحابي حلفاءها في بيروت، ويشدها من جانب آخر تسويق نفسها كداعم للمقاومة اللبنانية، وهما رغبتان متضاربتان.
وكان المبلغ المتطلب لاعادة الاعمار قد تم جمعه من حصيلة تبرعات شعبية لمساعدة الشعب اللبناني، بالاضافة الى مبلغ مليار ريال كانت الغرفة التجارية والصناعية قد وفرتها دعما لحملة"إكمل المشوار" لاقناع الرئيس بالعدول عن قراره الذي اتخذه عام 2005 بعدم ترشيح نفسه للرئاسة، واُعلن بعدها عن تحويل المبلغ لصالح اعمار بلدة البرج الشمالي..
انتهت معضلات لبنان العظام كلها، وكانت اليمن ممثلة في اللجنة الوزارية العربية لمتابعة تنفيذ اتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين، بعد ان يئست من السماع لمبادراتها لحل الازمة اللبنانية، غير انها لم تبادر الى الوفاء بالتزاماتها.. فبعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وانهاء الاعتصامات والتوافق على البيان الوزاري، بات الجانب اليمني مطالبا بتسليم مبلغ 7 ملاين دولار كتكلفة اعادة الاعمار التي اقرتها اللجنة الفنية لمجلس الجنوب بالاضافة الى مليوني دولار تكلفة اقامة النصب والمجسمات التذكارية التي تشير الى اليمن..
شتاء العام الماضي رحل، وشتاء هذا العام على الابواب ، غير ان برده القارس بدأ مبكرا مع نهاية الصيف يتجه بشدة باتجاه المسؤولين اليمنيين في بيروت وصنعاء، وليس باتجاه قاطني البلدة، الذين يقال ان غالبيتهم من اليمنيين، فالسفارة في
بيروت تخشى وطأة الاحراجات، ونفاد صبر الصحافة اللبنانية على مجاملة اليمن..
ما هو مؤكد أن الاحراجات التي ستجلبها موجات الصقيع القادمة على الجنوب لن تلفح السفير وطاقم السفارة فحسب، بل ستمتد إلى صنعاء لتطال كل من استبسل في ذلك الوعد القومي بدءا بالرئيس وحكومته وموفده الشخصي، كما ستطال شعباً اُعلن باسمه
اعادة اعمار البلدة.. هناك تساؤلات عن سبب التأخر غير المبرر حالياً، وكذا عن مصير المليار والتبرعات التي جمعت لصالح لبنان والتي من شأنها ان تضمن عدم اراقة ماء وجه حكومة وشعب بأكمله وعدم ارهاق الخزينة العامة المثقلة اصلاً...ام أن الاخيرة ستتكفل بالتعويض والاجابة على كل التساؤلات الخيرية والمالية والوعود الانتخابية بما فيها الاقليمية!!.

نشر هذا الموضوع في :
موقع نيوز يمن، صحيفة الشارع، صحيفة الناس.

الاثنين، 15 سبتمبر 2008

مصلون صرخوا في وجه فتاة صينية: احنا مسلمين... ما ادى ابوكي هانا ..
"اليمن في جامع الصالح".. شيء آخر لم يألفه الناس


سامي نعمان:
هذا الجامع ليس كبقية جوامع اليمن، وبالتأكيد ليس كمعظم جوامع العالم عدا تلك الجوامع التاريخية أو أخرى تكفل ببنائها زعماء او قادة او اثرياء العالم كحال جامعنا الفريد هذا.
لم يعد غريبا ان يثير الجامع فضول الكثيرين من المارة بأحد الشوارع الرئيسية المجاورة، ليتوقف ويدخل، فالغالبية هناك سائحون دفعتهم رغبة جامحة بحب الاستطلاع، فكل ما فيه ملفت للنظر خصوصا بالنسبة لشعب لم يعتد مثل تلك الفخامة خصوصا في دور العبادة...
بالتأكيد ليس بالامكان الشروع في الحديث عن تفاصيل البناء ومواد البناء التي لن يتأتي سوى لخبراء المعمار وصفها.. لكن هناك ملاحظات كثيرة تستدعي الوقوف في صرح ديني استثنائي في بلد استثنائي إيضاً، جمع فيه هذا الصرح فن العمارة اليمنية والاسلامية التاريخية، مع كل الفنون والامكانيات العصرية..
ما قبل الافتتاح:

رغم ان الموعد المتوقع لافتتاح الجامع قد تقرر أو بالاصح تأجل الى 22 ذي القعدة، الذي يوافق اكتوبر المقبل، الا ان حركة دؤوبة يشهدها الجامع الذي يتوافد عليه الالاف يوميا، كثير منهم لم يقصدوه للصلاة فقط ..
يذكر كثيرون ان الجامع كان مقررا افتتاحه مع حلول شهر رمضان المبارك، إلا ان الشركات التي تتولى اعماره لم تتمكن من الاتمام في ذات الموعد ما استدعى تأجيل الافتتاح الرسمي، والسماح بدخول الزوار للصلاة في الجامع الذي اكتمل في معظم شكله الخارجي وتبقت مجموعة اضافات يجري العمل فيها ليل نهار في شهر رمضان..
ورغم ذلك فهناك علماء ومشايخ بارزين زاروا جامع الصالح وحاضروا فيه خلال شهر رمضان ومنهم الشيخ وجدي غنيم، غير انه ليس معلوما ان محاضراته في الجامع كانت على هامش زيارة اخرى ام انه جاء خصيصا بدعوة لزيارة الجامع.
الامن والقوات المسلحة في خدمة الجامع:
للوهلة الاولى وانت تشرف علي الجامع تدرك انه ليس كغيره، فسيارات النجدة تتواجد عند ابواب الدخول والخروج، وأحيانا يتوقف الى جانبها "ونش" المرور، لسحب السيارات التي لا تلتزم الوقوف الصحيح على الشارع خارج الفناء، كذلك ينتشر افراد من المرور في فناء الجامع لتنظيم حركة المرور وتنظيم الوقوف الصحيح الذي لن يتسبب في عرقلة خروج أي مرتادي الجامع..
من البزات العسكرية التي يرتديها افراد الحراسة تدرك انهم ينتمون الى جهات عدة، لكن اشدها كثافة هم افراد القوات الخاصة الذين يتولون التفتيش والوقوف أمام البوابات المفتوحة، في حين يتواجد ايضا افراد يرتدون زيا مدنيا ويحملون اجهزة اتصالات لاسلكية بما يوحي انهم ينتمون الى احدى الاجهزة الامنية رفيعة المستوى..
على بوابة الدخول الرئيسية الحالية للرجال يتواجد عدد من افراد القوات الخاصة، ويتولى اثنان منهما عملية التفتيش، ويستخدمون لأجل ذلك العصي الماسحة وتمر العملية بسهولة ويسر دون زحام، واحيانا يسمح بدخول الجميع دون تفتيش عدا البعض ممن يلبسون "الاكوات"، ويشك في احتمال وجود سلاح شخصي، على أن التفتيش يتم بطريقة راقية مصحوبة باتسامة افراد القوات الخاصة لا يمكن ان تستفز معها أي زائر للجامع، في حين لا يحتاج من يلبسون البدلات الرسمية لأي تفتيش.. لا يسمح بدخول الاحذية الى الداخل، إذ ينبغي على الزائر وضعها في الدواليب الخارجية المنتشرة بكثافة في الفناء..
غير ان اللافت عدم حملهم لأي نوع من أنواع الأسلحة، والابتسامة اللطيفة التي يصدرونها اضافة الى تعاملهم الراقي مع رواد المسجد..
اليمن في الجامع:
ما إن تدلف الى الفناء حتى تُفاجأ بمئات السيارات التي تحتل جزءا بسيطا منه.. تتفاوت موديلات السيارات من القديمة جدا إلى الحديثة.. هناك تتجمع سيارات تحمل لوحات بألوان مختلفة اجرة – خصوصي – نقل – جيش – شرطة – حكومي- هيئات سياسية- ادخال جمركي وغيرها، ليتبين ان كافة شرائح المجتمع اليمني وضيوفه من الاشقاء يتواجدون في الجامع...
يزدحم الفناء بالمرتادين من النساء كما الرجال.. الكل يشخص ببصره عاليا نحو المآذن التي ترتفع بطول يزيد عن مئة متر والاضواء المحيطة بها، هناك شغف ايضا بالاطلاع على الحدائق الخضراء واعمدة النور والنوافذ، وحتى منافذ الدخول الى الحمامات.. والحمامات ايضاً!!
لا مكان للشحت هنا..
معلوم في غالبية جوامع اليمن، أن يتزاحم المتسولون واصحاب الحاجات على ابوابها في الداخل والخارج، كل يشغل المكان الذي يظن انه اجدى للفت نظر المحسنين.. هنا لا يوجد مكان لاولئك.. كذا لا يصادف ان تسمع بعد الصلاة من يقوم عارضاً شكواه طلباً للمساعدة.. ولفت نظري أن مسؤولا في خدمات الجامع كان يمسك بعجوز كانت تترحم، ويقودها بلطف وهو ينادي على شخص آخر لضم اسمها في الكشف، يبدو انه كشف الزكاة التي ربما توزع هذا العام هناك، إما من قبل الرئيس او مؤسسة الصالح أو من قبل التجار الذين عادة ما يدفعون الزكاة للشخصيات الدينية البارزة لتوزيعها في العشر الاواخر من رمضان..
صادف أن احدهم تنحى الى خلف صفوف الصلاة وفرش "شالا" منتصف الجامع ، وكان حوله عددا من موظفي الخدمة الذين يتميزون بملابس خضراء شبيهة بملابس رجال الامن مع اختلاف ضئيل في اللون، ومع شارة خطية تشير إلى كونهم من موظفي الخدمة، كانوا جميعا يجتهدون بمعية مسؤول آخر في الجامع لاقناع الشخص بالعزوف عن طلب المساعدة في الجامع.. خروج الرجل يصبح امر حتمي هنا لكن مع وعود بضم اسمه في قائمة مستحقي الزكاة، وهو عرض -ان صح- لا يتوفر في مكان اخر..
كل شيء مختلف..

كما هو الحال في الخارج كل شيء في الداخل يبدو مختلفا حد الابهار.. هذا شيء اخر لم يألفه اليمنيون قط.. فالجامع الذي يقتطع في قلب العاصمة مساحة قدرها (222) ألفاً و(500) متر مربع، تشمل مبنى الجامع وكلية علوم القرآن والدراسات الاسلامية، والاصواح والمواضئ، ومواقف السيارات، والمناطق الخضراء، لا تقل مكوناته الداخلية ابداعا عن خارجه..
ففي حين تغوص الاقدام في فراش المسجد الوثير الذي طلب خصيصا ليحاكي تقاسيم السقف بما يحوي من نجفات ضوئية صممت اجزاؤها على شكل القباب، تشخص الانظار عاليا باتجاه القباب ذات الاحجام المختلفة وبزخارفها المتميزة... وتتزين الجدران والاسقف بسور من القران الكريم وأحاديث وتسابيح وأذكار نحتت بخطوط متنوعة وبألوان زاهية..
يتقزم الداخلون والخارجون امام الابواب الخمسة عشر (لم تفتح كلها) ذات الارتفاع الكبير والمصنوعة من ارقى ماركات الاخشاب العالمية والمطعمة بالنحاس، في فن زخرفي لا يختلف عن الجدران والاسقف التي يصل عدد السقوف الخشبية الى (30) الف قطعة زخرفية معتقة بالذهب الخالص والالوان، ومثبتة بارتفاعات وصلت الى (23) متراً (موقع اليمن الآن).. أعمدة المسجد العريضة متناثرة بشكل يبدو غير منسق، غير انها جاءت كذلك تبعا لاختلاف أحجام القباب التي ترتفع الاعمدة لتحملها.. استخدم الجرانيت الاحمر المنقط بالابيض لتلبيس قرابة ستين عمودا في الداخل، وتعيش في تجاويفها السفلية أجهزة تكييف هادئة قيل انها تتلاءم مع الطقس المحيط..
في الجامع ابضا مصلى للنساء يقع أعلى الرواق الخلفي ويتصل بالجامع عن طريق نوافذ مطلة على قاعة الصلاة عبر مداخل خاصة، ويتسع مصلى النساء لقرابة 2000 مصلية.. المسجد سيتضمن ايضا عيادات طبية متخصصة تقدم خدمات للجمهور بالإضافة إلى مكتبة تراثية ضخمة لخدمة الباحثين وصيانة التراث الإسلامي العريق من العبث والضياع ، كما يشتمل على كلية الصالح للعلوم الشرعية لتقديم الفقه بروح الوسطية والاعتدال .الاستطلاع بدلا عن الصلاة: في اول صلاة جمعة في المسجد خطب في المصلين وزير الاوقاف والارشاد السابق محمد ناصر الشيباني، وليس معلوما انه من سيتولى الخطابة في الجامع ام لا..ويؤم المصلين في المسجد الشيخ الحافظ يحيى الحليلي، ويتناوب في صلاة التراويح والوتر مع إمامين آخرين، تقترب اصواتهم من ائمة الحرم المكي الشريف.. وتختزل بضعة صفوف فيه مئات المصلين حيث يتسع الصف الواحد لثلاثمائة مصل،ومن ا لمتوقع ان يستوعب الجامع قرابة خمسة واربعون الف مصل..
في الغالب هذه الايام لا يمتلئ سوى الصف الاول بالمصلين وتتجزأ الصفوف التالية في صلاة التراويح، وينشغل المئات بالتجول والتقاط الصور في جنبات الجامع ومرافقه الداخلية والخارجية، و يكتظ الجامع بالآلاف في صلاة العصر والجمعة..
كان ملاحظا في دعاء القنوت ان يبتهل الامام بشدة لولاة امر المسلمين بأن يحببهم الى رعاياهم ويحبب رعاياهم اليهم، ودعاء خاص لمن بنى المسجد وذريته.. وكما اختلف الدعاء عن معظم المساجد الاخرى في تلك الجزئية بدا مختلفاً اكثر في جزئية اخرى هي الدعاء بالنصر "للمجاهدين في فلسطين والعراق وافغانستان وكشمير وغيرها، وكذا التنكيل بـ "الأعداء" من "اليهود والنصارى"..
هنا يُكتَفى بالدعاء بالإغاثة للمستضعفين في فلسطين.. وكفى.. لا دعاءً آخر كتلك المألوفة في معظم الجوامع..
احنا مسلمين!!
كما اصبح الجامع قبلة آلاف اليمنيين بغرض اشباع رغبة حب الاطلاع، كان متوقعاً ان يزور الجامع ايضا سواح وذوي جنسيات اجنبية من غير المسلمين.. غير ان مالم يكن متوقعا هو طريقة التعامل المشينة معهم..
حدث ان دخلت زائرة اجنبية الى فناء المسجد بعد انقضاء صلاة التراويح يوم الثلاثاء الفائت، وتشير ملامحها الى انتمائها لاحدى دول شرق آسيا والارجح انها الصين.. وبيد انها اتجهت الى احد افراد الحراسة من القوات الخاصة المتواجدين في الساحة لاستفساره عن امكانية دخولها الجامع، الا انها قوبلت بشتائم قاسية من قبل عديدين انتقدوا زيارتها للجامع كاشفة شعرها ويديها.. "ما ادى ابوها هانا.. احنا مسلمين.. هي كافرة نجسة لا تدخلش الجامع".. في المقابل كانت الفتاة تبتسم وتهز رأسها بخجل وهي تدرك يقينا انها في موقف لا تحسد عليه، وقد تبين ان ما يقال عن تسامح الناس في رمضان لا يتواجد عند الكثيرين!!
وبيد أن الحارس كان قد شرع سلفاً بتفهيمها بضرورة مراعاة خصوصيات المسلمين الا ان كثيرين لم يتركوا له المهمة لينظروا وجهة النظر الرسمية في التعامل مع زيارة الاجانب، واتفقوا على الشتائم وهم يصرخون في وجهها في حضرة الحارس الذي ظل صامتا ازاء صراخهم..
هي تفهمت الموضوع وراحت تردد كلمة "إباية"(عباية)، في دلالة على كونها فهمت سبب المنع، بعد ان قدم شاب ملتح يتحدث قليل من الانجليزية بتعريفها بضرورة التحشم... الفتاة انسحبت بمعية رفقتها ويبدو انها أخذت صورة سلبية عن رواد الجامع وعن اليمن ايضا في مكان ربما يصل الى مصاف ابرز المعالم الدينية في اليمن.. ربما سيكون عزاؤها أن تتعرف على الجامع عن طريق قناة الايمان الفضائية التي تنقل الصلاة مباشرة يوميا من الجامع..
يحتاج التعامل مع الزوار الاجانب الى إعادة النظر، وفي مواقف كهذه كان الاولى ان تمنع الاجنبيات من الدخول من البوابة الاولى بدلا عن تركهن لسياط الغيورين على دين الله، والذين لا يملك الامن عليهم أي سطوة.. هناك جوامع اخرى تاريخية كجامع الجند يقصدها السواح فلا يقابلون بمثل ما يقابل به امثالهم في جامع الصالح في قلب العاصمة.. حتما هناك طريقة اخرى للتعامل مع رغبات الزيارة اكثر احتراما من شتم الاباء وامتشاق الغيرة على الفضيلة كسلاح لصد "الكفار" عن زيارة جامع الصالح...
خروج:
في الثالث من رمضان كان أطفال صاحب احد المحلات التجارية بشارع حدة يحتجون على ابيهم، لأنهم لم يخرجهم للتنزه منذ اكثر من اسبوعين، وتخوفوا أكثر ان يحول رمضان دون خروجهم.. غير أن الرجل طمأنهم: يوم الجمعة بنروح جامع الصالح..
بالنسبة لبلد كاليمن، يعيش قرابة نصف دون خط الفقر وغالبية الباقين يقفون على الخط، في ظل أسوأ الخدمات الصحية والتعليمية، سيكون جامع الصالح بالنسبة لهم شيء آخر لم يألفوه، ربما تتواجد جزئيات مكوناته في بعض القصور التي لم يتسنى لهم التعرف عليها..
فالجامع الذي تقول بعض التقارير التي نشرت في السنوات الاولى للبدء بأعماله ان تكلفته تقدر بخمسة وثلاثين مليون دولار، يرجح كثيرون ان الرقم ربما يتضاعف بفعل الارتفاع العالمي لاسعار خصوصا مواد البناء.. هذا الجامع يبدو انه جاء غير متناغم مع أوضاع غالبية مرتاديه، وما يدركه كثيرون أن من بنى الجامع بكل ذلك الاتقان، لم يبذل ذات الجهد لبناء البلد!كثيرون غادروا الجامع مندهشين وهم يناقشون الآية القرآنية التي ترتفع على لوحة مشروع جامع الصالح: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر.. هناك جدل محتدم بين اعمار المساجد بالبناء واعمارها بالطاعات.. هذا يتكرر بصفة شبه مستمرة في عاصمة الألف مسجد وجامع.




* نشر الموضوع في موقع نيوز يمن الاخباري ، وصحيفة الشارع الاسبوعية..

السبت، 3 مايو 2008

ديمقراطية تحترق على الحدود.

سامي نعمان

كانت هناك محرقة لمجموعة شباب يمنيين، اخرجهم العذر، كما حبس عشرات الآلاف غيرهم، محرقة جاءت على وقع طبول ما يسمى بالعرس الديمقراطي، وكان هناك ردا رسمياً سعودياً لا يقل استفزازا عن المحرقة، مجموعة شبان مجهولي الهوية في مقلب "قمامة" احترقوا، كلام لمجرد الدحض لا يدع مجالا لعاقل او مجنون ان يفهم مبرر الداخلية السعودية ان 18 شابا احترقوا وهم في يفتشون في مقلب نفايات، هل دخلوا على النفايات وقت نضوجها، ام انها اشتعلت فجأة بعد دخولهم، وهل يتضمن المقلب نفايات نووية اشتعلت فجأة على تهاميين بسطاء لم يتمكنوا من الفكاك، يعرفون انهم يخاطبون بنفيهم سلطة لم تستوعب بعد ان من احرقوا يحسبون عليها مواطنين، يدركون سلفاً ان ردهم سيحظى بقبول وترحاب شديدين من قبل حكام المحروقين اكثر من لوعة احتراق الرعايا البسطاء.
اخدود خميس مشيط لم يحظ باهتمام رسمي عدا بعض اخبار نشرتها على استحياء بعض مواقع وصحف رسمية، كان "الجماعة" مشغولين جداً بيوم الديمقراطية الذي كان مفترضا ان يكون مأتم حداد على الكرامة اليمنية المنتهكة على الحدود.
كانوا مشغولين بعيد او عرس الديمقراطية، كأن ذاك ما كان ينقصنا، عيد جديد للرقص على خيال آخر لبرّاق لمع، تحت مسمى فضفاض، كأننا شعب لم نجد مناسبة نحتفل بها، كأنه ليس لنا هوية ولا تاريخ ولا ثورات ولا مناسبات، حتى نفتش عن يوم نحتفل به - يمكن ان يتأخر او يتعدل بحسب ظروف البلاد- سواء يوم انتخاب ما يسمى بالبرلمان أو عيد جلوس رئيس منتخب، وقريبا ذكرى يوم انتخابه الاخيرة، والعام المقبل عيد انتخاب المحافظين، وبقي ان نخصص لكل مناسبة لجنة منبثقة من اللجنة العليا للاحتفالات، والاهم من ذلك كله مخصصات تلك المناسبات، في بلد يحرق ابناؤه بدم بارد على الحدود، وهم يلهثون بحثا عن لقمة عيش كريم، ويواسيهم مسؤولو بلادهم "سلامات"، وقد عادوا كتلا من اللحم المهترئ ببقايا روح مهزومة، عادوا مواطنين منسيين كما ولدوا خارجين عن حسبة خمسية او عشرية او حتى مئوية.
مشغولون بعيد للرقص والاحتفاء بديمقراطية ابرز نتائجها تلك الاوجاع والحروق.. مفحمون بعرسٍ على مأتم شعب يقف في طوابير البحث عن الحق في الحياة.. أكثر من ذلك ستسمعون قريبا في تعز الحالمة عن قرع طبول الاحتفالات التي اُعلن تخصيص عشرات المليارات لترقيع خروق تتسع يوماً عن آخر، في فترة زمنية قياسية لا تتحقق حتى في الاحلام، وسيكون هناك رقص من نوع آخر بمناسبة بات كثيرون يعظون يد الندم مما أصابها من تشوهات، والبعض يرونها فضلاً سبب لهم عديد منغصات تزهق أرواح كثيرين اختناقا بها لأسباب مختلفة..
لم نسمع عن ما قيل - ومعظم حياتنا قيل- إنه تحقيق في ما نُهب العام الماضي في محافظة اب تحت مسمى مشاريع تنموية رافقت احتفالية عيد الوحدة، وطُمِست بعد مرور المواكب الفارهة من المحافظة التي تتنقل كل عام لتكرار ذات السيناريو في محافظة أخرى، لكن برتوش جديدة متناغمة مع متطلبات العصر، ومع ارتفاع الميزانية وغلاء الاسعار، و تكتيك جديد وبليد للالتواء على هيئات مكافحات الفساد العليا والدنيا إن كانت ترى..
الان ربما يكون بإمكان طلاب كلية الاعلام الرد على تساؤل وزير الاعلام عن "الجهة التي تخدمها صحيفة الوسط ، ومن يخدم صاحبها، هل لصالح المليار الذي مُنح من السعودية لليمن؟!" سيعرفون من يخدم لصالح المليار دولار، ومن ينتصر لواحد عشرين مليون انسان، سُلبوا من كل شيء ، ولم يعودوا يتألمون على فقد شيء، عدا الكرامة والحق في العيش الكريم، هل من أحد غير الصحافة المنكوبة أولاً وأخيراً نصيراً لأولئك المحروقين واشباههم الكثير في الداخل.
لم ينشر حتى لحظة كتابة، خبر عن المحرقة ورد الفعل الرسمي في جريدة أو موقع رسمي معتبر، عدا خبر التعويض الرئاسي والتوجيه بالعلاج، لم تلتو صحيفة السياسية لتنقل الخبر كعادتها من وسيلة خارجية لحساسية التغطية المباشرة على صحيفة رسمية، تحظى بقدر من استقلالية ومهنية تحسب لها، وسبق أن نقلت أخباراً عن قتل يمنيين على الحدود، عن وكالات ومصادر إعلامية أجنبية.. وعلى استحياء صرح مسؤولون رفضوا الافصاح عن انفسهم خوفا على صحة المليار الذي كانت صحيفة الوسط تعمل ضده، كما قيل، ان التحقيق جار وستخاطب السلطات السعودية بشأن احراق مواطنيها، يا لها من مغامرة غير محسوبة العواقب، مع أني اعرف أنه لو كان المصرح يتمتع بحد أدنى من المسؤولية لكان الخبر نشر في وسيلة رسمية لكن لا بأس من مجرد رد على اسئلة الصحافة المستقلة.
هي مشكلة أخرى جديدة قديمة تتبدى في مثلث القانون بالذات، (تعز- اب- الحديدة)، حيث حتى من يقتل منهم في احتجاجات الجنوب، يدفن بهدوء دون خيمة عزاء، ولا منتصر ولا معز، ولا مطالب بالتحقيق، ومن تكسر يده في مركز انتخابي بالراهدة مثلاً يحرم حتى من حق العلاج في مستشفى المدينة، فيما تشهد جثامين الرعوي والحامدي وقتلى العدين على العدالة الغائبة في إب الا اذا كان الخصم من العيار الثقيل يحضر العدالة بجعب مرافقيه.. ودرسي أيضا وضحايا المحرقة هم ضحايا لبساطة التهامي في الحديدة على يد فحول التسلط في الداخل، ونيران الاشقاء على الحدود، ولا جزب ينتصر لهم، ولا منظمة تتبنى قضيتهم، ولا برلمان سمع عنهم، لأنه لا قبيلة تنتصر لهم، فهم ممن كان يصفهم الشيخ عبدالله الاحمر بالغوغاء، لا قبيلة ستسأل عن ثأرهم.
قد يكون تشنجاً وحيفا اتهام السلطات السعودية بجنحة دورية عسكرية، سنفترض حسن النوايا بأنهم احرقوا مكانا افترضوه خالياً، وفي أسوأ الاحوال سنفترض انها تصرفات فردية وليست سياسة رسمية، دعونا ننساق وراء الرواية السعودية، شباب احرقوا في مقلب نفايات، لكن ماذا عن تفاصيل ما بعد الحريق، ماذا عن التحقيق مع كتل انسانية تحترق، وتركهم يطفئون نارهم بالتقلب على التراب ثم احالتهم الى اسوأ الخدمات الطبية المتوفرة في المملكة، ومن ثم ترحيلهم بعد ان وقعوا على ورق ابيض خال من اي شيء عدا السيفين والنخلة، وبعدها شراكة الجرم في الجانب اليمني حين استقبل رعاياه وهم لا يجدون تكاليف العودة الى مطرح رؤوسهم، ليكونوا شهودا على سلب الكرامة والحرية لاناس يفترض بهم ان يكونوا حراسا لانسانيتهم، ومن ذلك يتوجب على السلطات السعودية التحقيق في الحادثة ومحاكمة مرتكبي الجريمة لينالوا جزاءهم وفقا للقانون السعودي وليس الدولي، وأن تعلن المحاكمات رداً لإعتبار اليمن كل اليمن، ولا اعتقد ان القانون لديهم يمنع محاكمة سعودي في جرم ارتكبه بحق يمني، علماً بأن كثرة ما قالوا انها جرائم المهاجرين غير شرعيين يعجز الامن السعودي عن القبض عليهم، لا تعطي مبررا للتعامل اللانساني معهم وإن كانوا مجرمين، ناهيك عن ذلك التعامل مع أبرياء يبدو حريقهم ثمنا لتقصير الامن السعودي في أداء مهامهم هذا ان صدقت تلك الرواية .
عدا ذلك فلن يكون مقبولا أخلاقيا لنا كشعب أو سلطة ان نعد المليار السعودي دية لعشرات القتلى، وارشاً للحروق وآثار الجلدات على الظهور، وثمنا للطفولة المغتالة على الحدود، ومقايضة لتكميم الافواه وتقييد حرية الصحافة، وإن قبلت بذلك السلطات، ليس معقولا السكوت وقبول الذل بهذه الطريقة على انتهاكات بحق الانسانية لمجرد ان الجارة تقدم فتاتاً تريد ان تنال به بقصد او بدون قصد كل شيء حتى الكرامة.
تعقد الامال أولا على السلطات السعودية لجبر كسرنا واقناعنا ان تلك الجريمة كانت سلوكا فرديا وليست سياسة رسمية ممنهجة ضدنا كشعب فقير، وهذا ما لا نعتقده مؤقتاً على الاقل، ونتمنى على الرئيس ان يستغل ما يقال عن علاقة طيبة مع الاسرة المالكة السعودية للمطالبة بجبر معنوي لواحد وعشرين مليون يمني، وعلى الاحزاب ان تعيد حساباتها، فهي الاخرى وان نطق اعلامها لا زالت تجتر الكلام بعيدا عن حروق الناس ولم تصدر بياناً معتاداً في هذه المأساة، وعلى عقلاء البرلمان ان لا يدعوا الجريمة تمر، ان ينتصروا لكرامة ممثليهم، أن يصعدوا باتجاه التحقيق في الامر ومعاقبة المتسببين المباشرين على الاقل، على الحكومة ان تتذكر انها وجدت لخدمة المواطن لا ان تشهد على نكاله، كان الاولى ان يعلن يوم 27 ابريل يوم حداد على الكرامة، لا يوم رقص على اشلاء اليمن، وعلى من يتحدثون عن "ابناء الشغالات" في الطبقة الاولى، ان يدركوا ان شعبا بأكمله بات همه الاول والاخير الحفاظ على كرامته ايا كانت معيشته، وحتى ان عُدّ من نسل الشغالات الى الجد السابع، والامل الذي نثق فيه أن تواصل الصحافة معركتها وان برزت لوحدها في المعركة، أن تجاهد دفاعا عن المواطن ..إن دفعت الثمن غاليا فسيكون لها شرف انها لم تسجل نفسها شاهد زور على نهب كرامة الوطن، ودامت جلالة الملكة في عيدها، وطنا لكل المستضعفين حارسا مخلصا ويمنا يجد فيها المظلومين ما افتقدوه من وطن ومواطنة يرون انفسهم غرباء عنهما.
ختاماً بالديمقراطية التي بدأ المقال بالحديث عنها، هي في دول تلتزم بأدنى معاييرها وسيلة لرفاه الشعوب وتحقيق العدل والمساواة والحق في اختيار شكل الحكم ومن يحكم، وسيلة لتحسين حياة الشعوب، أما ديمقراطية يكون نتائجها اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وزيادة مساحة الفقر واتساع رقعة البطالة، وتشرد الشعب وتحولهم الى متسولين في دول الجوار، وسلب كرامتهم على الحدود، ان كانت الديمقراطية بنسختها اليمنية تفرز تلك النتائج، بلا شك، سيكون الشعب في غنى عنها إلى ان يوجد لها تعريف آخر على الواقع..

الثلاثاء، 29 أبريل 2008

خط النار

سامي نعمان

تعيش حرية الصحافة في اليمن هذه الايام أسوأ مراحلها منذ أعوام، بل إن ما وصلت اليه خلال الشهر المنصرم تحديدا كفيل بالقضاء على الصورة الديمقراطية التي سوّقت بها السلطة نفسها كراعية لحرية الصحافة وملتزمة بتعزيزها امام المجتمع الدولي الذي يشترط وجود صحافة حرة حتى يضع بيضه في سلة الحكومة.
في الاونة الاخيرة تلقت ثلاث صحف يمنية تهديدات بسحب التراخيص مباشرة من السلطة التنفيذية، غير ان ما لم يكن متوقعا هو ان تلجأ وزارة الاعلام الى سحب ترخيص صحيفة الوسط في بادرة توحي بتوجه جديد لقمع حرية الصحافة مباشرة دون الحاجة لروتين القضاء المتعاطف في الغالب مع السلطة التنفيذية.
كرة الثلج التي بدأت بدحرجتها صحيفة الشورى عام 2004، واخذ حجمها يتعاظم مع كل اصدار فتي تجاوز طابوهات القداسة الرسمية التي فُرضت لسنوات كإرث لعهد الشمولية، لم يعد من السهل ايقاف هرولتها باتجاه افق اكثر رحابة، فملفات التوريث التي أعلنت بها الشورى نيابة عن الصحافة اليمنية عن وجودها في الساحة السياسية متجاوزة خطوط التماس التي رسمها صاحب القرار، والملفات والتناولات الجدية التي تبناها جيل جديد من الصحافيين المتمرد على طابوهات القداسة التي لم تكن الصحافة ولا الاحزاب تتجرأ على الخوض فيها، كل ذلك يشير الى رؤية جديدة للعمل الصحافي لا يمكن صده الا بثمن باهض.
لعل وزير الاعلام لا يتذكر، بحكم انه لم يكن مسؤولاً أو مهتما حينها، أن قرار حبس عبدالكريم الخيواني وتعليق صدور صحيفة الشورى عام 2004 كلف اليمن قرابة مئتي مليون دولار رغم ان الحبس وتعليق الصحيفة مر عبر بوابة القضاء، اياً كانت فصول المحاكمة، وما اعتراها من مهزلة قانونية، ولم تكن المبررات التي ساقتها نيابة الصحافة والمطبوعات كافية لإقناع اغبى صندوق دولي مانح بما يسمى اثارة النعرات ودعم التمرد، لأنها غير معنية بتفهم الخصوصية اليمنية وما يحاك ضدها من مؤامرات، لكنها تعتمد في ذلك على منظمات متخصصة معنية بتقييم ومراقبة حرية الصحافة ومدى التزام الحكومات بهذا الحق.
ما يثير التساؤل اليوم، كيف ستقرأ تلك المنظمات والصناديق والحكومات قرار وزارة اللوزي، التي تتحفظ على وجودها اصلاً، بسحب ترخيص صحيفة الوسط المستقلة التي يقول ملفها لدى الجهات المعنية في تلك المنظمات أنها كانت محل استهداف رسمي متواصل لم يُعلن يوما التصالح معها من قبل الجهات الرسمية، بل ما هو اقرب الى التفهم ان وزير الاعلام نفذ تهديدات سابقة اطلقها في 17 ديسمبر من عام 2006 في محاضرة امام طلبة كلية الاعلام بسحب ترخيص الصحيفة ذاتها، بحجة أن الصحيفة "تخرب ضد مصلحة اليمن، وتنشر مواضيع ضد الأمراء بالإسم، نحن نعرف هذه الصحيفة من تخدم! والشخص من يخدم! هل لصالح المليار الذي مُنح من السعودية لليمن؟!».
اضيف على تلك التهمة ما يتناسب مع ما يدور في الساحة من احتقانات، فهي متهمة بنشر موضوعات ضد الوحدة الوطنية والترويج للانفصال والاضرار بالمصلحة العليا للبلاد من خلال الاساءة للعلاقات "الحميمة"، اضافة الى "خبر جديد" يتمثل في عدم ترتيب الاوضاع القانونية وتفضلت صحيفة الثورة بتوضيحه بعدم وجود محاسب قانوني وميزانية ختامية وربما خطة خمسية وغياب استراتيجية واضحة للانسجام مع صحافة دول الخليج.
وأيا كانت التهم العمومية، فالوزارة غير مخولة البتة بسحب تراخيص الصحف، ويبدو ان الوزارة لم تستفد من تجربة الوزير العواضي مع صحيفة النداء، التي سُحب ترخيصها بعد صدور العدد البكر، وانتصر القضاء لنفسه بعد أن شاكى الصحفي سامي غالب وزارة الاعلام، وقضت المحكمة بإعادة اصدار الصحيفة بعد جلسات لم يحضرها محام عن الوزارة.
ما سيفهم اليوم هو أن السلطة التي تعيش ازمات حقيقية متأججة في شمال الشمال وفي الجنوب وأمام عجزها عن معالجة تلك الاحتقانات فإنها تلجأ الى الحلقة الاضعف، فتصفي حساباتها مع الصحافة، لتفتح جبهة اخرى هي في غنى عنها، بل هي احوج ما تكون اليوم الى صحافة حرة كورقة رابحة سهلة البلوغ تروّج بها ديمقراطية باتت منقوصة في كثير من مفرداتها.
سيضاف الى الانتهاك المقترف بحق صحيفة الوسط رصيد حافل بالانتهاكات ضد الصحافة المستقلة، آخرها توجيه وزارة الاعلام بايقاف طباعة صحيفة الصباح، والتهديد بايقاف الشارع والمصدر في تهم عمومية لا تختلف عن تهم الوسط، ومنع اصدار الصحف المحترمة والترخيص لصحف صفراء باتت تتكاثر كنبتة خبيثة، وبأسلوب رعوي متعجرف يوحي ان الدولة لم تعد تتذكر أن هناك سلطة قضائية يقال انها مستقلة انيط بها الفصل في تجاوزات الصحافة، رغم ما يؤخذ على تلك السلطة من تبعية تعتري الكثير من أحكامها، كما أن منع وسائل الاعلام من تغطية الاحتجاجات والتفجيرات التي شهدتها البلاد، وحُرمت من حق الحصول على المعلومة ذلك يضاف اليه تحوير محاكمة الصحفيين واتهامهم بالارهاب، في فبركة خبيثة لفنون القمع التي تُبتكر مع كل فشل ينتاب السياسات الرسمية، كما هو وضع الاستاذ عبدالكريم الخيواني وطاقم صحيفة الشارع الذين يحاكمون امام محكمة امن الدولة، اذ ليس مُلمعا لصورة النظام ان يلجأ الى العفو او ايجاد المخارج للاحكام الجائرة بعد صدورها، فهو بذلك يجني على نفسه مرتين حين يقضي على حرية الصحافة ويجهز على مقولة استقلال القضاء ايضاً، كل ذلك يسوق الدولة امام العالم بأنها دولة بوليسية ايا كانت مبرراتها..
أمَا وقد اصبحت الصحافة واقعة على خط النار، فيجب على الصحف ان تتخذ وقفة جادة بعيداً عن كل الحسابات الضيقة، لعل اقلها ان تعلن الصحف اليومية والاسبوعية المعارضة والمستقلة الاحتجاب –اجتجاجا- طوعا اليوم، لئلا تحجب غدا خارج القانون، فيما ينبغي على نقابة الصحفيين ان تفيق من جمالة المبنى الذي حصلت عليه، وأن تقود حملة جدية للمطالبة بإلغاء وزارة الاعلام نهائياً، باعتبارها الجهة التي اصبحت أكثر انتهاكا لحرية الصحافة، وأكثر تدخلا في شؤونها، وكونها من سمات دول العالم المتخلف، وأن تتحمل مسؤوليتها وتقدم قانون ظل للقانون او القانونين الحكوميين المقترحين للصحافة مستعينة بنقابة المحامين، ومنظمات المجتمع المدني، يما يحفظ على اليمن الهامش الذي دفع كثير من الصحافيين ثمنا باهضاً لتوسيعه، وتسعى السلطة ان تعيد رسمه لكن على حافة الهاوية..
saminsw@gmail.com

الاثنين، 28 أبريل 2008

الاتحاد الدولي للصحفيين للرئيس(IFJ): عليك ضمان صحافة حرة وسلطة قضائية مستقلة

سامي نعمان
دعا الاتحاد الدولي للصحفيين ( IFJ ) الرئيس علي عبد الله صالح، يوم أمس الاثنين، للتدخل للدفاع عن الصحفيين وأجهزة الإعلام المستقلة في أعقاب تدهور أوضاع حرية الصحافة في البلاد.
وأبدت الفدرالية والجهة الممثلة لها في اليمن ممثلة بنقابة الصحفيين اليمنيين، قلقهما خصوصاً فيما يتعلق بمحاكمة الصحفي، عبد الكريم الخيواني، المتهم بالانتماء لخلية إرهابية، والذي انتهت اجراءات محاكمته ومن المنتظر أعلان الحكم في غضون اسبوعين.
وأشارت الفدرالية إلى أن الإدعاء قد أخفق في اثبات ان يكون للخيواني صلات مباشرة مع الزعيم الزيدي الإسلامي. وعلاوة على ذلك، يضيف البلاغ، فإن الصور التي تلقاه ا عبر طرف وسيط كانت ضرورية لعمله كصحفي محترف، مشيرة أن نقابة الصحفيين اليمنيين متخوفة من ان يكون الخيواني المعروف بانه صحفي مهني ومشهور ومحترم، أختير ككبش فداء لإخافة الصحفيين الاخرين في وسائل الاعلام الاخرى الناقدة للحكومة.
وخاطب آيدن وايت الامين العام للاتحاد الدولي للصحفيين في رسالته الى الرئيس علي عبدالله صالح قائلا" يتوجب عليك أن تضمن صحافة حرة وسلطة قضائية مستقلة من اجل ازدهار التجربة الديمقراطية في اليمن ".
وحذرت الفدرالية الدولية للصحفيين بأن الاجراءات الأخيرة تُعرض ركني الديمقراطية هذين (الصحافة الحرة والقضاء المستقل) للخطر، مشيرة إلى أن قرار وزارة الإعلام بإلغاء ترخيص صحيفة الوسط " يعد سابقة خطرة لإنتهاك دستور اليمن فيما يتعلق بالعمل الإعلامي. "
كما لاحظ الاتحاد حالة موقع الاشتراكي نت الأخباري المعارض الذي حظر من قبل الحكومة للمرة الرابعة هذه السنة، وأضاف الاتحاد في رسالته للرئيس إنه يجب أن يسمح للموقع الالكتروني بالعمل بحرية وازالة العقبات الأخرى التي تواجه حرية الاعلام . وقال السيد وايت " هذه الرقابة هي جزء من سياسة منظمة لتخويف والهجوم على عمل وسائل الاعلام المستقلة والمعارضة ."

الاثنين، 11 فبراير 2008

الرئيس مدعـو لزيـارة الجمهورية اليمنية "الشقيقة"

سامي نعمان

هذه المرة لم يَطِرْ إلى ألمانيا لإجراء الفحوصات الطبية الدورية التي توصف عادة بـ"الروتينية"، هو لتوه عائد من جولة أوروبية، ولم ينفض عن نفسه غبار رحلة بلا غبار، حتى يدخل في رحلة اوروبية أخرى، لإجراء فحوصات اعتيادية تثير بلبلة في الشارع حول حالته الصحية تنعكس نفسيا على الجميع -وهو ما قد حصل- أكثر مما هو مرجو منها، لذا قرر ان يقوم بهذا الروتين في احد مستشفيات بلاده، خصوصا أنه كان يعتقد بعدم وجود فارق بينها وبين المستشفيات الالمانية.
عاد رئيس الجمهورية إلى المكلا حاضرة حضرموت، وقصد مستشفى ابن سينا بالمدينة، لإجراء الفحوصات الروتينية، لكنه قفل خائبا إذ رأى المستشفى غير صالح لتطبيب الناس فوجه بإعادة اعمار وتأهيل المستشفى بمليار ريال، هو مبلغ محترم يستحق عليه الرئيس الشكر.. ولكن.
لم يقتنع الرئيس بأهلية المستشفى لمعاينته، ولم تورد الصحف الرسمية التي تناقلت الخبر هل اتم فحوصاته هناك، لكن ما هو مؤكد أنه قطع زيارته لحضرموت ليعود صنعاء حيث اكمل الفحوصات لدى طبيبه الخاص او في احد المستشفيات الخاصة (جداً).
وفي المقابل، هناك المئات من أبناء حضرموت من المصابين بالكبد، والسرطان وشتى الأمراض المزمنة، وبعضها سببتها الشركات النفطية. هذا المستشفى يعالج أمراضهم منذ سنوات، ليكتشفوا في النهاية أنه لا يصلح لإجراء فحوصات طبية روتينية لرئيسهم.
بعدها اتجهت الأنظار صوب المستشفى، هو الآن مزار لكبار مسؤولي الدولة الغائبين الا بتوجيهات رئيسهم، فالمحافظ قصد المستشفى والفريق الفني والطبي وصل خلال يومين، وكل الوزارات والمؤسسات يممت وجهها شطر مستشفى ابن سيناء المحظوظ، أصبح خبرا هاما يتصدر الإعلام الرسمي، رغم ان احداً لم يلتفت لوضع عام لا يروق لأبناء الشعب العيش في ظله.
هل يعرف الرئيس أن ذلك ليس وضعا خاصاً بمستشفى ابن سيناء، بل هو قاسم مشترك بين معظم مستشفيات الجمهورية بما فيها المستشفيات الحكومية في أمانة العاصمة، وهل يدرك أن معظم تلك المستشفيات تحولت إلى مسالخ بشرية أفضل ما تقدمه من خدمات هو الموت بالمجان، وبالتأكيد لا يخفى عليه مآسي مستشفى السبعين الاخيرة.
هل يدرك الرئيس ان قسم القلب في مستشفى يمني كالجمهوري بتعز، على سبيل المثال، لا يقدم لأصحاب الجلطات من دواء، سوى بعض مغذيات وكبسولات أخرى تشترى من الخارج طبعا، اضافة الى مقدرة فائقة لديهم لإقناعك بقضاء الله وقدره، وتختلف درجة العناية بقدر ما تقدمه من خدمات اضافية لمن يملك القرار هناك، او بحسب قدرتك على الهنجمة.
هل وصل الرئيس أنباء مظاهرات مرضى الكلى في مستشفى الثورة، وما دار بين وزير الصحة وشركة ناتكو من تراشقات على خلفية اقرار مناقصة استيراد الادوية على شركة هندية، وتجاوز شركة ناتكو وكيل الدواء السويسري، وهل وجه جهاز الرقابة بعمل تقرير غير ملزم لارشيف مكتبه، حول العلاقة الحميمة بين "سيبلا" الهندية ووزارة الصحة، أم أنه اقتنع أن الأمر خلل في إطار مؤسسات الدولة التي لا تحضر الا وفقا لتوجيهات فخامته.
هل يعرف الرئيس أن معظم المسافرين على الرحلات اليومية الى مصر والاردن على الخطوط المصرية والاردنية واليمنية –ومعظمها يومية- هم من المرضى بأمراض يفترض في كثير منها ان تكون خدمة التطبيب لها متوفرة على مستوى القرية، ما يشوه سمعتنا كيمنيين هو ان لا يجدنا العالم في بلدانهم الا مرضى او متسولين، وليس تناولات الصحافة عن تدهور مريع في مستويات الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع نسبة الفقر والبطالة.
بطبيعة الحال، الرئيس والوزراء والمحافظون وكبار موظفي الدولة، كلهم لا يعرفون مستوى الخدمات الطبية التي تقدم للمواطن، أو يعرفون لكنهم لا يعبأون بمستواها فهم ليسوا من المحتاجين لها، والا لكانوا قد وجهوا بصرف مليارات الريالات لكل مستشفى منذ سنوات، أنّى يتأتى ذلك، وهم وأولادهم يجرون الفحوصات الطبية البسيطة في مستشفيات اوروبا وأميركا، وإن تواضعوا قصدوا كبريات المشافي التي يذرف المواطنون الدمع على ابوابها وهم يدركون انهم لا يجدون ثمن فتح الحساب فيها.
هم لا يختصرون المسافة مثلنا ولا يعرفون حريق الاعصاب الذي يجعل اليمني يلجأ لشراء الادوية مباشرة من الصيدليات مباشرة دون الحاجة لتشخيص طبيب في عيادة، او ابتزاز كثير من المستوصفات الخاصة، أو بهذلة المستشفيات الحكومية.
هم لا يعرفون ان كثيرا من مواطنيهم لا زالوا يتعالجون للملاريا بأكل "الحُمَر"، و"العلفق"، و"العنشط"، وأشجار أخرى ليست مستحضرة حاليا، اشجار الحموضة قاسمها المشترك، يتعالج بها فقراء الناس وإن تحسن مستواهم عصروا الليمون مع الشاي، واكلوا القشر بعد تيبسه وغليه بالماء.
ما هو مؤكد أن جميعهم يدركون أن اليمن تاتي في مؤخرة كل البلدان العربية في الإنفاق على الصحة، فحسب احصائيات عام 2005 هناك طبيب لكل 5000 مواطن تقريبا، في حين هناك طبيب نفسي واحد لكل نصف مليون مواطن، وهي احصائية لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا تشفي من سقم، هذا ان صحت.
تحافظ اليمن على ثوابتها واحداها البقاء آخر القائمة، هي بالمناسبة تحتل آخر القائمة في مؤشرات التنمية البشرية اسمعوا: نصيب المواطن اليمني من ميزانية وزارة الصحة هو 4.5 دولار سنوياً(اقل من 900 ريال)، حسب وكيلة الوزارة اروى الربيع، وهو مقتبس من ارشيف تصريحات مسؤولي وزارة الصحة عام 2005. هي اشارت الى اجراءت نوعية في الاعوام القادمة، غير انها تقاعدت ولم يتحسن الوضع وكنا مقتنعين ببقاء الوضع على حاله، وجزاهم الله خيرا.
تقول الاحصائيات أيضاً أن الملاريا التي تخلصت كثير من دول العالم منها قبل عقود تحصد سنويا في اليمن اكثر من 20 الف انسان، بالتأكيد لا يدخل كثير من اطفال القرى المنسية ضمن الاحصائية، ولدوا وماتوا دون ان يحسبوا مواطنين يمنيين، هو لا يعرف ان ساكني الارياف من المزارعين ورعاة الغنم هم من الذين لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون، ولا يعرفون بوابة مستشفى اهلي ولا حكومي مذ عرفوا انفسهم، رغم امراض بعضهم الدورية، واذا مرضوا مرضا يقعدهم عن المسجد والجبل او الوادي، بسط سجادته بجانبه في بيته واكتفوا بحليب الغنم علاجا في دولة المنجزات، وإذا مر أحدهم امام مستشفى حكومي -كمستشفى ماويه مثلا- الذي يرتقي على تبة مرتفعة في قرية ماويه دعا له: "الحمدلله الذي عافاني مما ابتلاك به"، المرض المزمن في مثل تلك المستشفيات هو حمى التسابق على المخصصات.
بالمناسبة قرابة 900 الف مواطن يمني اصيبوا بالملاريا عام 2006، ومُؤملٌ ان تعلن وزارة الدكتور عبدالكريم راصع تحسنا ملحوظاً في عدد الاصابات عام 2007، أي في ظل يمن ما بعد الانتخابات الرئاسية.
من يريد ان يعرف اكثر عليه ان يقرأ: يبلغ معدل وفيات الأطفال تحت سن الخامسة 100 حالة لكل ألف طفل وهو يعد من أعلى المعدلات في العالم، في حين يبلغ معدل وفيات حديثي الولادة 38 مولود في كل ألف حالة ولادة حية، أي بمعدل 40 % من نسبة وفيات الرضع، وتصل نسبة وفيات الأمهات أثناء الحمل إلى 18 % و10 % أثناء الولادة أي ما يقارب وفاة 8 أمهات يومياً اثناء الولادة, وأن 72 % تكون بعد الولادة، بالاضافة الى ذلك يموت سنويا 60% من المصابين بمرض السرطان، والاحصاءات تلك رسمية او دولية وليست من احصاءات المعارضة.
يوصي البنك الدولي الحكومة اليمنية بتخفيض موازنتها العسكرية واعطاء الجانب التعليمي والصحي حصة اكبر مما هي عليه الان حيث تصل موازنة الانفاق العسكري بحسب البنك الدولي إلى أكثر من 39% من حجم الموازنة العامة للدولة، عام 2005، يقابله 1.5 % للانفاق الصحي ذات العام، فاليمن هي الثالثة عربيا في الانفاق العسكري.
في ظل كل تلك المعطيات الضئيلة، المشار اليها أعلاه على عجل، وفي ظل وجود حكومة لا تحكم وسلطة محلية بلا صلاحية، ووزراء "اكواز في طاقة"، وبقاء عمليات الاصلاح ومعالجة الاختلالات بيد الرئيس، وممارسات تقضي على أوهام نظرية دولة المؤسسات، فإن الرئيس سيكون مدعوا من قبل كافة المرضى والاصحاء في مختلف محافظات ومديريات وقرى الجمهورية لزيارة كافة المستشفيات والوحدات الصحية، حتى يرى مستواها ليرى اهي صالحة لاستقبال بني الانسان اليمني.
طالما والاوضاع لا يمكن ان تستقيم الا بعد ان يطلع الرئيس عن كثب على حقيقتها، فهو مدعو لزيارة الجمهورية اليمنية (الشقيقة) ليرى حال أهلها، وليعيد تأهيل بلد لم يعد صالحا لعيش أبنائه الذين لا يجدون في الصيدليات كبسولات "تنمية"، أو حقن "منجزات"، توزع بالمجان وتشفي مريضا يحتضر، يوشك الوطن ان يلحق به.

الأربعاء، 23 يناير 2008

لأجل رغد وخطاب وأطفالنا ايضا..

سامي نعمان

"لا أريد أن أنسى في السجن"، فؤاد الفرحان عميد المدونين السعوديين قبل ايام من اعتقاله.
لا اسوأ من ان تجد نفسك متهماً بممارسة حقوقك، مداناً بلا جناية سوى غواية الحرية، معتقلا بلا سبب عدا حلم بالعدل والمساواة، وأسوأ من ذلك كله ان تقاسي الغربة في وطن اختلت العلاقة فيه بين الحاكم والمحكوم، فصارت القوانين سلاحا بيد الاول يبرزه متى ارتأى ان الاخير يمارس نشاطا لا ينسجم مع مزاجه، والاسوأ اطلاقا ان تعيش عمرك وانت مدين للحاكم بما جاد عليك من حرية الاكل والشرب والحياة المشروطة بأن لا تتعداها، ذلكم هو حال عميد المدونين السعوديين الزميل فؤاد الفرحان، وكثرون امثاله على طول بلاد العرب وعرضها.
منذ اعتقاله قبل شهر ونصف تقريباً من مكتبه بجده، وانا افكر في الكتابة عنه ولا اجد القدرة، ربما لا اعرف المعلومات الكافيه عن نشاطه الاخير، وإن كانت معرفتي به كافية لأن اتكهن بطبيعته، وأحيانا اخرى بسبب حسن نيه موروثة من زميلي المعتقل ذاته، تقنعني ان عقلاء السلطة السعودية سيطلقون سراحه قبل ان يجد مقالي طريقه للنشر، خصوصا ان الفرحان نفسه اعطى انطباعا جيداً ولم يلق الاتهامات جزافاً تجاه معتقليه عندما تلقى تهديدا صريحا، اذ قال في وصيته التي دونها قبل اعتقاله " طلب المصدر الامني –الذي اتصل به- أن أتعاون معه و أن أكتب اعتذاراً. لكني لا أدري عن ماذا يريدونني أن أعتذر؟ أأعتذر عن أنني قلت أن الحكومة كاذبة في ادعاءاتها باتهام الإصلاحيين بأنهم يدعمون الإرهاب؟ (وان لم افعل) طلب أن أتوقع الأسوأ وهو أن يتم اعتقالي لمدة 3 أيام لحين كتابة تقرير جيد عني ومن ثم يفرجوا عني. و قد لا يكون هناك اعتقال أو حتى اعتذار لكن لو طالت المدة عن 3 ايام أريد أن تصل رسالتي هذه للجميع….لا أريد أن أنسى في السجن.
حتى هنا كان يفترض حسن النية قبل ان يفترض سوءها تجاه الطرف الآخر، وهو مثال على السمو في الاحقاد.
طال الاعتقال شابا لا يملك من ادوات اقلاق الامن شيئا، لكن قلمه ومدونته في الفضاء الالكتروني، ان جاز ان يحسبا ضمن ادوات الارهاب، طبقا للمعايير الرسمية في المملكة السعودية.
ما اتضح في الايام الاخيرة ان المسؤولين تحدثوا عن عملية الاختطاف التي صاموا عن الحديث عنها لأسابيع، خرجوا ليتحدثوا وليتهم استمروا في صمتهم، تحدثوا عن مشروعية الاعتقال ذاكرين ان السبب هو الاخلال بأنظمة غير امنية، التصريح وان كان ايجيابيا في التعريف بأن تهم الرجل ليست خطيرة الا انه تثار تبعا لذلك تساؤلات عن النظام والقانون المتبع في الاعتقال بهذه الطريقة.
لستَ بحاجة الى ان تعرف فؤاد الفرحان، كم نفسه شفافة، وتفكيره راق، وسجيته نقية، يكفي ان تكتشف ذلك من قراءة عنوان مدونته، " بحثاً عن الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة، الشورى، وباقي القيم الإسلامية المفقودة.. لأجل رغد وخطاب.. ".
لا اظن السلطة الحاكمة في المملكة تعتبر البحث الحرية والكرامة والمساواة تهديدا لأمنها، بل اجزم انها هي تنادي بذلك وتزعم انها تسعى لأجلها، لا اظنها تفهم ان فؤاد يعمل لأجل اسرته فقط كونه ذكر رغد وخطاب، وذاك حقه، وانما يرمز بهما لكل اطفال المملكة، وهو ذاته ما تدعي الحكومة السعودية ايضاُ انها تعمل لأجله، هو لا يدعو الى قلب نظام الحكم لا يدعو الى الثورة على النظام الملكي، لا يدعو الى العنف، بل يدعو الى حقوق ومواطنة متساوية، وحرية وعيش كريم ، ومستقبل اكثر استقرار لرغد وخطاب وزملائهم.
ستعرف ان ابا رغد وخطاب مثقف سلمي من طراز رفيع حينما تقرأ له في مدونته تعليقا عن استخدام العنف والعمليات الارهابية التي تشهدها المملكة فيكتب واصفا غواة الارهاب: لا يلجأ للسلاح والتفجير والعنف إلا عاجز بلغ من الإحباط درجة جعلت له فكرة سفك الدماء وتيتيم الأطفال وأرملة النساء فكرة مقبولة لتحقيق أهدافه وتحقيق الإنتقام.
على ذكر هذا الامر في دولة تعاني كثيرا كما غيرها الكثير من دول المنطقة من تفجيرات ارهابية واستهداف للمدنيين ربما بسبب عقود من تنمية الفكر المتطرف بعيدا عن اعين الرقابة، فقد وجدت دراسة اميركية اجريت في جامعة "جون كندي" عام 2004، ان هناك علاقة وثيقة بين الارهاب وانعدام الحقوق السياسية والمدنية، اذ تزداد موجات الارهاب في البلدان التي لا تتوافر فيها الحريات السياسية والمدنية وابرزها حرية الرأي والتعبير، هناك استثناءات بطبيعةالحال، ومن هذا المنطلق نجد هذا هو القاسم المشترك بين معظم بلداننا العربية، شكوى دائمة من الارهاب وتضييق مستمر على حرية القول والتعبير، رغم ان غالبية دول المنطقة موقعة على الاعلان والعهد العالمي لحقوق الانسان وغيره من المواثيق التي تكفل الحقوق والحريات..
رغم ذلك تواصل السلطات العربية العزف على ذات الاسطوانة المشروخة، بل ربما تصل بعضها الى التعاطف مع المتطرفين والتضييق على حملة الاقلام، في مفارقة لم يعد أحد قادر على ادراك المغزى منها او استيعاب طبيعة العقلية التي تعتمدها.
الفرحان رغم انه ليبرالي الا انه لا ينصب نفسه عدوا للدين، وتحميله تبعات ازماتنا وتخلفنا التي نصنعها بأيدينا، بل كما يقرأ من شعاره السابق انه يبحث فيما يبحث عنه عن القيم الاسلامية المفقودة، هو يدعو الى الليبرالية لكن بعقلية لا تلغي طبيعة مجتمعاتنا المتدينة بالفطرة، كي لا يطغى الخلاف على التعايش، يؤمن بقيم الليبرالية لكن اذا استمدت او انسجمت مع روح الاسلام الحنيف، لا يسعى الى نشر الحرية على حساب قيم الدين.
اذكر في هذا السياق انني كنت وفؤاد نتمشى في شوارع الدار البيضاء بالمملكة المغربية التي وصلناها في يوم شهد ثلاث تفجيرات انتحارية استهدفت رجال امن، حينها وجدنا ان وزارة الاوقاف والشئون الاسلامية المغربية –لا اذكر الاسم بالتحديد – بدات بتدشين حملة توعية دينية وتعليق شعارات دينية في الشوارع تشير الى تعاليم الاسلام بانه دين يحض على السلم، "كل المسلم على المسلم حرام"، اتفقنا فؤاد وانا على ان الحل للفكر هو الاقناع بالفكر، اعجبتنا طريقة المعالجة، واتفقنا ايضا على ان الحاكم العربي ينظر الى الدين كاداة يسخرها غالبا متى دعت المصلحة لذلك، ولا يوظفها منذ البداية. يومها كان فؤاد متألما من تفجيرات الدار البيضاء كتألمه على تلك التي تقع في الرياض او جده، بل ربما تحسر اكثر بسبب الفرق بين مستويات التعايش التي هي في المغرب اكثر مما هي عليه في المملكة او اليمن.
يمتلك فؤاد من الروح الانسانية ما يجعلك تحترمه وتقدره ويصير محل اعجاب، لم يحدثني عن نفسه وانشطته الخاصة الكثيرة الا نادرا، لكن طغى على حديثه عن المملكة التعريف بالمعاناة التي يقاسيها كثيرون، معتقلون وممنوعون من الكتابة، وممنوعون من التعبير، وتجاوز الخطوط الحمراء على كثرتها، لم يتحدث عن نفسه كثيرا حتى انني يومها لم اعرف ان مدونته محجوبه عن التصفح في المملكة وهو ما منعه من التحديث، رغم انه استدعي لمؤتمر المغرب بصفته مدونا.. http://www.alfarhan.org /..
اعتقلوا فؤاد، صحيح تمكنوا من منعه من الكتابة عن الاصلاحيين السعوديين المعتقلين، حجبوا صوته بزنزانه انفرادية دون تهمة، لكن في المقابل اصبح صوته المعتقل حديث العالم من ادناه الى اقصاه، فحكاية فؤاد الفرحان اصبحت موضوعا دسما قفي القنوات الاخبارية، كما اصبح كابوسا مزعجا للسلطات السعودية بسبب كثرة نداءات المنظمات الحقوقية المطالبة الملك بالافراج عنه، حتى راعي الديمقراطية الكاذب، والذي يمالئ مصالحه في العالم العربي خصوصا السعودية، عض على اسنانه وتحدث من الخارجية الاميركية عن فؤاد الفرحان، في بادرة نادرة من سادة البيت الابيض، وذاك ثمار الاعتقال، التي لم تكن السلطات السعودية تعتبرها في الحسبان ولا زال كثير من مسؤولي المملكة يعدون الفرحان هامشا في احاديثهم موداخلاتهم لوسائل الاعلام التي تبحث القضية، لا بأس ليظل هامشاً..
ربما يُعذّب هناك في المحتجز بصور عشر شخصيات تشمل تجارا ومسؤولين ورجال دين كان كتب عنهم قبل ايام، بأنه لا يحبهم ولا يتمنى رؤيتهم، لكنهم فتحوا بابا جديدا للحرية، لن تقف السجون حائلا دونها، اليوم آلاف السعوديين والعرب صحفيين ومدونين وغيرهم من دول شتى حول العالم يكتبون عن فؤاد عميد المدونين السعوديين، وأحد رواد الحرية هناك.
اسلوب القمع لم يعد مجديا في هذا الزمن المفتوح، عصر الانترنت والفضائيات والاقمار الصناعية، عصر العولمة والديمقراطية وحقوق الانسان، اسكات الاصوات يطلق الاف الاصوات بالنيابة، تكميم الافواه لا يمنع الحديث بأي طريقة عن اسباب التكميم، الحرية اصبحت خيار العصر وحلم كل طفل يقطن بيتا عربيا متهالكا بغياب العدالة والمواطنة، هو يفكر فيها بطريقة اخرى حتى وان لم نفهمها وان كانت مقتصرة حاليا على العيش الكريم..
يتوجب على عقلاء المملكة من اصحاب القرار تدارك الامر، اذ ليس معقولا ان يخلو صناع القرار هناك من مسؤول عاقل او رجل رشيد، ليس معقولا ان ينصرفوا لحل العقد الاقليمية في فلسطين ولبنان والصومال، والبيت الداخلي يعاني خللاً ليس فيه من شيء سهل سوى الحل، وبقليل من التفكير وليس التحقيق يدركون ان الفرحان هو الهدف الخاطئ الذي وضع في غير موضعه، ليس عيبا ان تصحح الخطأ و الاعتذار عنه لكل طفل يعمل فؤاد لأجله، فهم يتعاملون مع احد مواطنيهم وبني جلدتهم، وليس مع غاز قادم من كوكب آخر..
كما يتوجب على انصار الحرية في العالم خصوصا في اليمن، حيث لا مدونات، ان نلتفت الى هكذا قضية في بلد جار كان فؤاد يتحدث عن مظلومين يمنيين فيه، عن اطفال يساء معاملتهم واستخدامهم، عن حقوق لا يؤمن بها صناع القرار لكن ينبغي ان ندفع ضريبة ايماننا بها .. نحن... بالامس كان كريم عامر واليوم فؤاد وغيره ربما العشرات لا نعلمهم، وغدا لا نعلم على من سيكون الدور..
يدير فؤاد شركة برمجيات، هو مالكها، وكان بإمكانه العيش برفاهية كما ملايين العرب، ممن لا يتعدى تفكيرهم شهواتهم، بامكانه العيش بأرقى مستويات العيش الكريم لكنه فضل ان يعيش حياة اخرى مليئة بالصعاب لكنها مريحة للضمير وللمسؤولية التي ادركها..
من أجل ذلك... ومن اجل كل القيم السامية التي تحملها..
نتضامن معك.. لن ننساك مشعل الحرية ، داعية الفرح والسعادة..
لن ننساك فؤاد .. من أجل رغد وخطاب، من أجل اطفالنا ايضاً..
saminsw@gmail.com
مراجع:
مدونة فؤاد الفرحان: http://www.alfarhan.org /
موقع الحرية لفؤاد..
http://ar.freefouad.com /
للتضامن مع فؤاد...
وقع هنا .. ( http://ar.freefouad.com/wp-content/uploads/2008/01/ar_petition.gif )

الأربعاء، 16 يناير 2008

بعد أن تعهد الرئيس يومها بإعمارها... استياء لبناني من تخلف اليمن عن إعمار"البرج الشمالي"

سامي نعمان
يسود الاستياء أوساطاً سياسية وشعبية لبنانية جراء تخلف اليمن عن الوفاء بالتزاماتها بإعادة إعمار بلدة البرج الشمالي الواقعة في جنوب لبنان، والتي كان الرئيس علي عبدالله صالح تعهد بإعادة إعمارها بعد حرب يوليو، تموز 2006، التي شنتها إسرائيل على الجنوب للبناني.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "المصدر" فإن إعادة الإعمار تكلف 7 ملايين دولار، إضافة إلى بعض المقترحات الإضافية من الجانب اللبناني كإنشاء مدخل للبلدة، وإقامة مجسم تذكاري لبعض المعالم التي تشير إلى اليمن كما جرت العادة في البلديات التي تتولى إعمارها دول أخرى، وتصل التكلفة في مجملها إلى 9 ملايين دولار.
وكان الرئيس أعلن باسم الشعب اليمني إعادة إعمار البلدة. وذكرت مصادر رسمية أن التمويل سيكون من حصيلة تبرعات شعبية تم جمعها في اليمن لدعم لبنان، بالإضافة إلى التبرعات التي قدمها رجال أعمال يمنيون لتمويل حملة الرئيس الانتخابية والتي بلغت مليار ريال وأعلن حينها عن تحويلها لصالح لبنان، وأوفد عبدالملك المخلافي إلى بيروت حيث التقى بالرئيس ايميل لحود وكبار المسؤولين حاملا تعهدات اليمن بهذا الشأن.
وأعرب مسؤولون لبنانيون عن استيائهم من التلكؤ اليمني في إعادة إعمار البلدة خصوصا أن دولاً خليجية قدمت عروضا لإعادة إعمارها، ولم يتم البت فيها نظرا للالتزام اليمني في هذا الجانب، خصوصا أن كثيراً من قاطني البلدة من أصول يمنية.
واجتمع رئيس مجلس الجنوب الدكتور قبلان قبلان منتصف نوفمبر الماضي بالسفير فيصل أمين أبو راس، حيث جدد مطالبة اليمن بإعادة إعمار بلدة برج الشمالي الواقعة في قضاء صور التي تضررت جراء العدوان الإسرائيلي، وأكد السفير «التزام بلاده تنفيذ ما تعهدت به بأسرع وقت، لتمكين الأهالي من إعادة بناء منازلهم وإصلاحها»، طبقا لجريدة الأخبار البيروتية..
جاء الاجتماع بعد أكثر من أسبوعين على مؤتمر صحفي عقده رئيس بلدية برج الشمالي، انتقد فيه ضمنيا الموقف السلبي اليمني من إعادة إعمار المنطقة التي يعاني أهلها في فصل الشتاء جراء التصدع الذي لحق بالمنازل، وعدم قدرة أصحابها على ترميمها، إضافة إلى أصحاب المنازل المهدمة الذين يعانون ظروفا صعبة لعدم قدرتهم على إعادة بناء منازلهم أو شراء بديل عنها.
وقال "رغم مباشرة الفرق الفنية من المهندسين التابعين لمجلس الجنوب بالكشف على الأضرار وإنجاز الملفات اللازمة بهذا الخصوص، إلا أن المساعدات لم تصل لغاية اليوم، رغم الاتصالات التي حصلت مع سفير دولة اليمن"، وأضاف مصطفى شعيتلي رئيس البلدية: فوجئنا باستبدال السفير، وبإفادة السفير الجديد بعدم علمه بتفاصيل الموضوع، بحسب خبر أوردته جريدة اللواء.
شعيتلي جدد أمله في أن يوضح "الأشقاء في اليمن مصير هذا الملف الذي بحوزتهم قبل فصل الشتاء تفاديا للظروف الصعبة التي يمكن أن يواجهها الأهالي، وخصوصا أن العديد من منازل البلدة لا تصلح للسكن.
حل الشتاء ولم تف اليمن بالتزاماتها، وعُلم من مصادر دبلوماسية أن الجانب اليمني يعزو التأخر إلى الاضطرابات السياسية التي تشهدها لبنان والتي اندلعت عقب الحرب، غير أن مسؤولين لبنانيين أكدوا أن إعادة الإعمار غير مرتبطة البته بالاضطرابات التي تشهدها الساحة، ورعت عدة دول إعمار بلدات أخرى دون أن تتأثر بتلك الاضطرابات.
وسبق أن أبدى رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري استياءه من عدم إنجاز الرئيس علي عبدالله صالح وعده ببناء قرية برج الشمالي، بعد خمسة أشهر من انتهاء الحرب.
وجال عبدالملك المخلافي عضو مجلس الشورى، الموفد الشخصي للرئيس، بمعية السفير عبده علي قباطي وعلي حمدان مسؤول العلاقات الخارجية بحركة أمل، في مناحي البلدة مطلع سبتمبر 2006، بعد أن التقى الرئيس إيميل لحود وسلمه رسالة من الرئيس تضمنت تعهدا بإعادة إعمار البلدة التي شهدت قتالا عنيفا بين مقاتلي حزب الله والقوات الإسرائيلية.
ولم تتمكن الصحيفة من الاتصال بالمخلافي لمعرفة مستجدات ملف بلدة الشمالي، في حين فضل مسؤولو السفارة في بيروت عدم التعليق على الموضوع، ما يشير إلى ارتباط الموضوع بصناع القرار في صنعاء..

السبت، 12 يناير 2008

منظمة المادة 19: حرية التعبير في اليمن في حالة خطر


:: سامي نعمان
طالبت منظمة "المادة 19" السلطات اليمنية بالإلغاء الفوري للإجراءات القضائية التي بدأتها ضد الصحفيين أمام المحكمة الجنائية الخاصة بالإرهاب، وإلغاء التهم التي وجهت ضد الإعلاميين والأفراد الآخرين الذين حوكموا بسبب ممارسة حقهم في حرية التعبير، معتبرة الإحالة الأخيرة لرؤساء التحرير للمحاكمة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة حيث يواجهون عقوبة الإعدام، سابقة مقلقة للغاية وإشارة إسكات أكثر قمعا للاعلام.
ودعت المنظمة إلى العمل على إجراء تحقيقات فعالة في التهديدات التي طالت الصحفيين وفي حوادث الاعتداء عليهم، وخصت حالات الاختطاف، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، وإنهاء التحقيقات بفعالية في الحوادث السابقة التي طال أمد انتظار نتائجها.
المنظمة وفي تقرير مطول لها صدر مطلع يناير، ويحمل عنوان "اليمن حرية الصحافة في خطر"، نادت بوقف حملات ومقالات تشويه السمعة، خصوصا تلك "القائمة على أساس التمييز الجنسي والتي تهين كرامة الصحفيات أو الناشطات وشرفهن وتحط من مصداقيتهن وتضعهن في خطر أذية المجتمع".
وطالبت الحكومة بعدم الاستمرار في احتكار وسائل البث ووكالات الأخبار وإطلاق المنافسة في الاعلام المسموع والمرئي ووكالات الأخبار، ووضع حد لكل السياسات المقيدة لحرية التعبير، كمنح الرخص أو سحبها ومنع الصحفيين من النشر و"استنساخ" المنظمات غير الحكومية والصحف ومواقع الانترنت.
وأوصت بإصلاح القضاء وتقويته لضمان فعاليته وعدم تحيزه واستقلاله، وتطبيق توصيات لجنة حقوق الإنسان لضمان التوافق التام بين قانون الصحافة والمطبوعات المستقبلي والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ويتضمن ممارسات تقدمية عالمية متعلقة بها، كما أوصت بتطبيق توصيات معاهدة إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وبخاصة تلك المتعلقة بالتشريعات التمييزية لمساعدة المرأة على ممارسة حقها بحرية التعبير.
استعرضت المنظمة في تقريرها الذي يأتي في إطار الحملة العالمية لحرية التعبير ومولته المنحة الوطنية للديمقراطية، بالتفصيل واقع حرية الصحافة في اليمن والانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون والصحف، وشمل البحث دراسة البيئة السياسية والاقتصادية المحيطة بالوسط الإعلامي.
ذكر التقرير انه وفي خلال السنوات القليلة الأخيرة تم حجب حرية التعبير، وبخاصة في وسائل الإعلام، بشدة. كما تعرض الصحفيون لقمع متزايد من قبل السلطات، وقد تعرض الصحفيون للمحاكمة والسجن والاخافة والاعتداء الجسدي من قبل عملاء يشك في أنهم يعملون لحساب السلطات. مضيفاً أن هذه الممارسات تصبح أسهل مع وجود قانون الصحافة والعقوبات الذي ينتهك التزامات اليمن الدولية بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي يجرّم التهم الصحافية.
وأشارت المنظمة إلى أن استمرار التهديدات الجدية لحياة الصحفيين وسجنهم سيضع اعلان الرئيس بعدم حبس الصحفيين موضع شك، مضيفة أن الانتهاكات الشديدة لحق حرية التعبير تتزايد في ظل قضاء ضعيف وغالباً فاسد ويفشل في تنفيذ الضمانات الدستورية ويعوض عن الأخطاء التي ارتكبت بحق الصحفيين، وهو ما ألزم الصحفيين بممارسة الرقابة الذاتية.
وأفردت المنظمة في تقريرها جزءاً خاصاً بقضية الصحفي عبدالكريم الخيواني ومحرري صحيفة الشارع الذين يحاكمون أمام محكمة امن الدولة المتخصصة بقضايا الإرهاب.
إذ ذكر تقرير المنظمة أن وزارة الدفاع اتهمت في يوليو 2007، نبيل سبيع، مدير تحرير صحيفة "الشارع" الأسبوعية المستقلة ونائف حسن، رئيس تحريرها والمراسل محمود طه، بعدة تهم تندرج تحت المادة 126 من قانون العقوبات، تشمل الإضرار بالأمن القومي والاستقرار، والاستخفاف بالجيش ونشر أسرار عسكرية. وجاءت تلك التهم على خلفية ملف نشرته الصحيفة عن النزاع في صعدة، تناول الصلات المزعومة بين الحكومة ورجال القبائل المتطوعين للحرب في صفها ضد المتمردين. مشيرا إلى أنها المرة الأولى التي يستدعى فيها متخصصون في الإعلام إلى النيابة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب عوضا عن نيابة الصحافة والمطبوعات، حيث يواجهون الإعدام.
استطرد التقرير "وبعد 3 أسابيع من إسقاط وزير الدفاع الشكوى، اقتحم رجال مسلحون في سيارة عسكرية مكتب الصحيفة وهددوا بقتل نائف حسان، وقالوا إن لديهم أوامر من وزارة الدفاع. وحين وجدوا أن نائف حسان ليس موجوداً، قام الرجال بخلع الأبواب وبحثوا في الموقع وهددوا طاقم الصحيفة.
وعدت المنظمة اعتقال عبد الكريم الخيواني، رئيس التحرير السابق في جريدة الشورى، في 20 يونيو، سابقة مقلقة أخرى، إذ اتهم من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الخاصة بالإرهاب، بانتمائه إلى خلية إرهابية قامت بقتل جنديين وتنفيذ عمليات إرهابية، ذلك ضمن تهم أخرى، مستدلة بوثائق، حسب ما تذكره التقارير، متعلقة بعمله الصحافي استولت عليها قوى الأمن التي اقتحمت منزله. وأفرج عن الخيواني لحالته الصحية، فيما استمرت محاكمته. وفي حال إدانته، فإنه سيكون معرضا لحكم الإعدام.
واعتبرت أن تحويل القضايا المتعلقة بحق حرية التعبير إلى محكمة امن الدولة يشكل انتهاكاً خطيراً لأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي تعتبر اليمن عضوا فيه.
منظمة المادة (Article19)، هي منظمة حقوقية، مقرها لندن، تهتم بالدفاع عن حرية التعبير وتركز أكثر على قضايا الاعلام، وتعود تسميتها إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في بنده الأول على "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية".

الأربعاء، 29 أغسطس 2007

قصة اختطاف معلن... الاصابع مهددة بالبتر .. سامي غالب


سامي غالب
يَطوِّر أعداء الديمقراطية تقنيات قمع الصحفيين وترويعهم. وظهيرة الثلاثاء أعلنوا اختراعهم الجديد: تقنية كسر الأصابع. كان على الخيواني، مرة أخرى، أن يُقدِّم إصبعه «السبابة» (!) لتجريب المخترع فداء لليمن وللوحدة الوطنية.

لاحظوا أن الاختيار وقع على «السبَّابة»، فالصحفيون في نظر سادة هذا العهد هم «شوية سفهان». لكن الفنيين المكلفين بإنجاز التجربة اختلفوا في اللحظة الأخيرة: هل المقصود كسر أصابع الخيواني أم بترها؟ بعد اتصال من الخبراء في مصنع القمع علموا أن القصد هو كسر «السبَّابة»، وكذلك أنجزوا المهمة، ثم ألقوا بصاحبها في قرية محالين، منطقة خولان، شرق صنعاء.
عند الثانية ظهر الإثنين، وبينما الخيواني ينتظر «تاكسي» بعيد مغادرة مكتب «النداء»، قام ستة مسلحين باختطافه بطريقة احترافية، في واقعة مشهودة، من زملاء صحفيين ومواطنين وأصحاب محلات تجارية (تفاصيل داخل العدد).
عصبوا عينيه، وانهالوا بالضرب عليه، فيما سيارتهم مطموسة الأرقام تمرق دون رقيب في شوارع العاصمة، وإلى وجهة غير معلومة.
أبلغت وزارة الداخلية بالواقعة المروِّعة عقب حدوثها بثوانٍ. ولاحقاً نفى جهاز الأمن السياسي أية صلة له بالحادث.
بعد 3 ساعات كان سكرتير مكتب وزير الداخلية يبلغ نقابة الصحفيين بأن الوزارة لم تتحصل بعد على أية معطيات عن مصير الخيواني، والجهة الخاطفة.
في الخامسة والنصف مساءً، اتصل الخيواني بأحد زملائه يبلغه بصوت مرهق، أنه الآن في «دار سَلم». وقد توجه إلى مستوصف في المنطقة لتلقي إسعاف أولي. وهناك لحق به زملاؤه، لنقله إلى أحد المستشفيات الأهلية، وفق ترتيبات قام بها الزميلان سعيد ثابت وكيل أول نقابة الصحفيين، ومروان دماج الأمين العام.
فور الاتصال الأول للخيواني من «دار سَلم»، بادرت النقابة إلى الاتصال بسكرتارية وزير الداخلية، لإبلاغه بواقعة «ظهور الخيواني». كان الإبلاغ لغرض تطمين الوزير ومسارعة الأجهزة المختصة إلى التحقيق في ملابسات جريمة الاختطاف.
صباح اليوم التالي ضبطت المؤسسة الأمنية في حالة تلبس. إذ صرَّح مصدر أمني مسؤول في العاصمة بأن القصة مفبركة، وأن العملية مسرحية، والضحية ممثل، يريد تضليل العدالة، وتشويه سمعة الأجهزة الأمنية.
لم يتوقف المصدر الأمني عند هذا الحد. فهو وصف حالة الخيواني لحظة اتصاله بزميله، قائلا بأنه بدا متردداً (هل كانت العناصر الأمنية تتابع عن كثب الأعراض الثانوية للشخص الذي أُخضع لتجريب المخترع الجديد لعلماء القمع؟.. ربما!).
يواصل المصدر الأمني سرد روايته الرديئة، فالخيواني الذي بدا متردداً، لم ينتظر «فرق الإسعاف الأمنية»، بل غادر مستوصف «دار سَلم» إلى مستشفى تابع للقاء المشترك (كذلك تشجع الحكومة القطاع الخاص!).
احتفظ السينارست الأمني بعقدة عمله الأدبي إلى الفصل الأخير. في ختام تصريحه كشف أن الخيواني استغل مشاركته في حفل زفاف أحد الزملاء العاملين في «النداء»، في خولان، لاختلاق قصة الاعتداء عليه. وزاد أن حفل الزفاف حضره أيضاً زملاء العريس من صحيفتي «النداء» و«التجمع».
في بلد متحضر فإن رواية المصدر الأمني كفيلة بالإطاحة برؤوس المؤسسة الأمنية فيه. فإلى الكذب والتضليل والخيال المريض، وهي ركائز الرواية الأمنية، فإن المصدر الأمني دفع بالأجهزة الأمنية إلى قفص الاتهام. وإلا لماذا يجهد «مصدر أمني مسؤول»، من أجل إنكار واقعة خطف مشهودة في قلب العاصمة؟ (أم تراه غيوراً على سمعة الوطن!؟).

Samighalib1@hotmail.com

الأحد، 26 أغسطس 2007

والامن اعتبره عملا مسرحياً..
الخيواني: ثمن باهض لحرية الصحافة ..


* كتب/ سامي وجيه الدين
لم يكد الزميل عبدالكريم الخيواني يتعافى من مضاعفات عملية الاعتقال التي طالته قبل اكثر من شهرين، حتى اصبح على موعد جديد مع عملية اختطاف جديدة، كان باديا انها تلافت كثيرا من الاخطاء التي طالت سابقاتها بحقه وحق غيره.
الاثنين الماضي، الساعة الثانية بعد الظهر، كان الخيواني بانتظار سيارة أجره تقله من امام مكتب صحيفة النداء في الزبيري أكثر شوارع العاصمة حيوية، غير ان مسلحين اجبروه على صعود سيارة أخرى تم التعتيم على لوحتها، واخذوه في رحلة قسرية استمرت ساعتين تخللتها ممارسات لا انسانية، بحقه.
وطبقا للخيواني فقد أخذ الى مكان قريب من منطقة "محالين" التابعة لخولان، في ظروف سجن متحرك طاله فيه شتى انواع التنكيل والتعذيب النفسي والجسدي.
اصابعه المتورمة تظهر جانبا من التنكيل الذي طاله، لمن لم يتمكن من تفحص ما تبقى من جسده رغم حرص شديد ابداه مجهولون كانوا يديرون العملية عبر الهاتف من غرفة عمليات يرجح انها تابعة لجهاز الأمن القومي التابع للرئاسة، المسؤول عن عملية الاقتحام الاولى قبل شهرين تقريباً على عدم تمكينه من آثار جروح انقذته من مقص كان على وشك فصل عقد اصابع يده، غير انها لم تمنع اداء المهمة يدويا بطريقة همجية..
هم حذروه من التطاول على الاسياد، ومن العودة الى الكتابة، مؤكدين ان كلمة واحدة يكتبها بحق الرئيس والوحدة الوطنية مستقبلا، سيدفع ثمنها باهضا قد يعادل حياته وافراد اسرته، مشيرين الى تحقيق نشره في اسبوعية النداء المستقلة قبل اسبوع بعنوان"مرحلة ما قبل الدولة.. وطن خلف القضبان".. اطلق بعدها معصوب العينين كما أخذ، مع زيادة في المعاناة بات معتادا بالنسبة له ان يدفعها ثمنا لما يؤمن به من حقوق، وضريبة حرية صحافة بات يدفعها مضاعفة نيابة عن حرية الصحافة في اليمن، ليترك بعدها في فلاة بعيدة، استغرقته ساعتين للتمكن من الوصول الى اقرب منطقة حياة تتوفر فيها وسائل الاتصال والتواصل. في المستشفى الاهلي حل الخيواني وسط حشد من زملاء المهنة، حيث روى قصة كان ما سبق بعض تفاصيلها.. الأجهزة الأمنية حضرت وأخذت أقواله، وطلبت رحلة اخرى إلى مكان الحادث لاستكمال روتينهم المعتاد الذي أحال قضية رئيس تحرير صحيفة الوسط الى قسم مكافحة الارهاب الذي سجل قضية اختطافه الشبيهة بهذه، والتي تصادف هذه الايام اكمال عامها الثاني، ضد مجهول كان معلوما بالضرورة بأدلة تم تجاوزها هذه المرة.. هو لا يعرف من وجوههم سوى لمحة اولية لحظة الاختطاف، غير انه متيقن من ان احدهم شارك في العملية السابقة بحقه.
وحظيت عملية الاختطاف باستنكار واستهجان محلي وعربي ودولي واسع، اجمعت كلها على مسؤولية الاجهزة الامنية عن حياة الصحفي الذي بات معتادا على مواجهة مخاطر متكررة من وقت لآخر..
ورجحت قيادات في نقابة الصحفيين اليمنيين وقوف الاجهزة الامنية وراء الحادثة، وحملتها مسؤولية الاختطاف الذي تم داخل العاصمة، وتساءلوا عن دور الاجهزة الامنية في حماية المواطنين.. وادان بيان صدر عن نقابة الصحفيين جريمة الاختطاف والتعذيب التي طالت الخيواني واشارت الى شبه الحادثة بحادثتي الصحافيين جمال عامر وقائد الطيري، وان تقصير الحكومة في معاقبة الجناة ادى الى حدوث اعتداءات شبيهة، تقوض مصداقية الاجهزة الامنية.. واذ أدان تحالف اللقاء المشترك عملية الاختطاف وعدها جريمة بشعة، اعتبرها دليلا على المنزع الإجرامي لمنفذي الجريمة التي تستهدف كل الناشطين السياسيين والصحفيين وترهيبهم وإسكات اصواتهم الناقدة للفساد والمفسدين، في شخص عبد الكريم الخيواني، معتبرا تلك الاساليب الاجرامية دأباً لمن وصفهم بعصابات وبلاطجة السلطة المنفلتة من الحساب والعقاب منذ العام 2004م مع الزميل الخيواني الذي تعرض للاعتداء والاختطاف مرارا.
وحمل السلطة المسؤولية الكاملة عن الاعتداء وما يسفر عنه من انعكاسات على صحة الخيواني وحياته وطالبها بالقبض على الجناة وتقديمهم للعدالة فورا وبلا مماطلة ولاتسويف كما جرى في الاعتداءات السابقة التي تعرض لها الصحفيون. الصحف الرسمية خرجت صبيحة الثلاثاء بتصريح لمصدر امني استغرب انجرار احزاب المشترك وراء ادعاءات الخيواني واصفة ذلك بالتلفيق الشبيه بالعمل المسرحي "رُتب له مسبقاً بهدف تشويه سمعة الأجهزة الأمنية .. وبالتالي الإساءة للنظام السياسي وإلى التعددية السياسية والديمقراطية، والتأثير على سير قضية الخيواني المنظورة أمام القضاء ضمن خلية صنعاء الثالثة. ودللت على ذلك بمجموعة مبررات سردا زمنيا للحادثة قيل انه بني على تحريات ومعلومات، شرح تحركات الخيواني وتواصل زملائه معه واصراره على التداوي في المستشفى الاهلي الذي قالت انه مملوك لأحد احزاب المشترك واستقبله نائب المدير، اضافة الى افادة شهود وتقرير المستشفى التي توضح عدم وجود آثار اعتداء على جسمه، رغم ان التقرير يقول غير ذلك، مشيرة الى ان ذلك دليل على فبركة القضية.
وأخلى المصدر مسؤولية الاجهزة الامنية عن القضية، اذ ليس معقولا ان تتحمل الأجهزة الأمنية مسئولية اختلاق المشاكل، مستهجنا لجوء أحزاب المشترك إلى مثل هذه الزوابع المفتعلة وتوظيفها سياسيا وإعلاميا مع أن الجميع يدرك أن الخيواني لا يمثل أي رقم يذكر حتى يتم الاعتداء عليه أو اختطافه من أي جهاز من أجهزة الدولة، وختم بالقول " رحم الله امرئاً عرف قدر نفسه.".
النقابة عبرت عن استغرابها لتصريح المصدر الأمني المسئول معتبرة مسارعة الجهات الأمنية إلى نفي حدوث جريمة وقعت في قلب العاصمة وعلى مرأى من صحفيين ومواطنين كانوا قريبين من مكان وقوعها ـ ليس من شأنه إلا إظهار الجهات الأمنية باعتبارها متواطئة في الجريمة، معتبرة نشر هذه التصريحات غير المسئولة استنزافا لما تبقى من رصيد ثقة للأجهزة الأمنية، وناشدت الرئيس إعمال صلاحياته والعمل على وضع حد للإعتداءات المنهجية التي تستهدف الصحفيين والكتاب وعقاب المتورطين ومحاسبة المسئولين عن الأمن لتقصيرهم أو تواطئهم مع المعتدين.
ومن نيويورك ادانت لجنة حماية الصحفيين الدولية في بيان صدر عنها الاثنين عملية الاختطاف والضرب الوحشي الذي تعرض له الخيواني، واعتبر جويل سيمون مديرها التنفيذي الاعتداء تهديدا خطيرا لمناخ حرية الصحافة، الذي قال انه متدهور اصلا في اليمن، مطالبا السلطات اليمنية ان تحقق في الهجوم الوحشي وتقديم المسؤولين عنه الى العدالة، مؤكدا ان فشل السلطات في ذلك يشير الى ان الحكومة اليمنية راضية عن الاعتداءات العنيفة التي طالت الصحفيين. وأدان الحادثة فرع المشترك بأمانة العاصمة، وحزب اتحاد القوى الشعبية، والمنظمة اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات الديمقراطية، وعدد من منظمات المجتمع المدني، والشخصيات السياسية والحقوقية، محملة السلطات الرسمية مسؤولية الاختطاف مشيرة الى عدم وجود خلاف للخيواني مع احد عدا السلطة بكافة أجهزتها الأمنية، التي تعتبره كذلك. كما استكر جريمة الاختطاف مركز حماية وحرية الصحفيين في الأردن وطالب الحكومة اليمنية وأجهزتها الأمنية بكشف الجناة ومحاسبتهم حتى لا يفلتوا من العقاب وحتى لا تصبح حياة الإعلاميين غير آمنة، محملا الحكومة اليمنية مسؤولية سلامة الخيواني،وقال "في دولة يحكمها القانون من غير المقبول أن يحدث ذلك"....
وينتظر ان يعقد الزميل عبدالكريم الخيواني ظهر اليوم مؤتمرا صحفيا دعت اليه نقابة الصحفيين في مقرها لتوضيح ملابسات الاختطاف وكشفها للرأي العام

الأربعاء، 1 أغسطس 2007

لجنة حماية الصحفيين الدولية غاضبة على مهاجمة "الشارع" وتطلب تقديم الجناة للعدالة

سامي نعمان
أدانت لجنة حماية الصحفيين هجوم مجموعة مسلحة في العاصمة صنعاء يوم الاثنين على صحيفة الشارع الأسبوعية حديثة الإصدار وعبرت عن غضبها على مهاجمة مقر الصحيفة وتهديد رئيس تحريرها.
وأشارت اللجنة في بيان لها نشر يوم الثلاثاء على موقعها الالكتروني إلى احتمال أن يكون للحادثة صلة بالدعوى القضائية التي رفعتها وزارة الدفاع اليمنية ضد الصحيفة واتهمتها بالإضرار بالأمن القومي، وهي تهمة تسعى الحكومة من خلالها إلى إنزال حكم الإعدام بحق ثلاثة صحفيين.
وابلغ لجنة حماية الصحفيين نائف حسان رئيس تحرير الشارع أن عددا من الأفراد المسلحين بزي مدني كانوا يستقلون سيارتي جيب بلوحتين عسكريتين اقتحموا مكتب الصحيفة وكانوا يطلبون رؤيته وهددوا علناً بقتله وأطلقوا عبارات ازدرائية ضده وهددوا الموظفين أمام الحارس وعاملة النظافة في الصحيفة قبل أن تكسر المجموعة المهاجمة بابين وتفتيش المكاتب.
و قال جويل سيمون المدير التنفيذي للجنة حماية الصحفيين الدولية "نشعر بالغضب إزاء الهجوم الذي تعرضت له صحيفة الشارع والتهديدات بالقتل التي صدرت بحق نائف حسان رئيس تحريرها.
وأضاف: ندعو السلطات اليمنية إلى التحقيق في الحادث في ضوء الادعاءات الخطيرة التي تؤكد أن الجناة كانوا يستقلون سيارات عسكرية وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة".
وأضافت اللجنة في البيان أن سبب الهجوم لم يكن واضحاً رغم أن الصحفيين المنتسبين إلى الصحفية يشتبهون بصلة الحادثة بالدعوى الجنائية التي رفعتها وزارة الدفاع مطلع تموز (يوليو) ضد الصحيفة، ودعت فيها إلى إغلاق الصحيفة وإعدام ثلاثة صحفيين بعد أن نشرت الصحيفة سلسلة مواضيع مثيرة للجدل بشأن الصراع في صعده شمال اليمن.
ورفعت وزارة الدفاع شكواها ضد صحيفة الشارع في 7 تموز يوليو بعد أن نشرت الصحيفة الأسبوعية في عددها الأول قبل ذلك بشهر ملفاً عن الصراع في صعدة حسب إفادة نبيل سبيع مدير تحرير الصحيفة.
وأوضح سبيع للجنة أن "ملف الصحيفة كان عن رجال القبائل المتطوعين في صف القوات الحكومية بالإضافة إلى تناوله الفساد والراغبين في إطالة أمد الحرب من الجانبين بغية الاستفادة من استمرارها" .
وأضاف أن المواضيع تناولت تطوع جماعات من جيش عدن أبين الإسلامي، وهي جماعة إرهابية تنشط في اليمن، للقتال في صف القوات الحكومية وأنهم كانوا يدربون المتطوعين من رجال القبائل للقتال في الصراع.
وقال محمد الباشا المسؤول الإعلامي في السفارة اليمنية بواشنطن إن الحكومة اليمنية "على علم بالحادث، وإن التفاصيل المتوافرة عنه هي فقط تلك التي نشرتها الشارع، ولم تؤكد الحادثة حتى الآن أي جهة حكومية.
وأشار إلى أن رئيس تحرير الصحيفة ابلغ وزارة الداخلية بالقضية وأن تحقيقا يجري فيهالكن الباشا لم يعلق على القضية المرفوعة ضد الصحيفة من جهة وزارة الدفاع.
وفي خطوة غير معتادة، أحيلت القضية إلى النيابة الجزائية المتخصصة بقضايا امن الدولة والقضايا الإرهابية عوضاً عن نيابة الصحافة والمطبوعات، وتوجه وزارة الدفاع عدة اتهامات خطيرة وفقا للمادة 176 من قانون العقوبات اليمني ضد نائف حسان ونبيل سبيع ومراسل الصحيفة محمود طه، وتشمل التهم الإضرار بالأمن القومي والاستقرار والتأثير على معنويات الجيش ونشر أسرار عسكرية.
وقد جرى استجواب حسان وسبيع من قبل النائب الأول في النيابة الجزائية المتخصصة بقضايا امن الدولة والإرهاب.
وكان مقررا مثول محمود طه للاستجواب يوم الثلاثاء إلا أن المدعي العام ألغى الموعد ولم توجه النيابة العامة التهم رسميا ضد الصحفيين ولم يتم إحالتهم الى المحكمة حتى الآن.
والشارع صحيفة أسبوعية مستقلة يملكها الصحفيان نايف حسان ونبيل سبيع، وصدر العدد الأول منها في 2 حزيران (يونيو) الماضي.

طلابنا في المغرب.. حين يحتجون على ضياع حقوقهم بصورة فخامته

سامي نعمان
في احتجاج لا زال مستمرا منذ ايام نفذه طلاب يمنيون داخل مبنى سفارتهم في العاصمة المغربية الرباط، رفع المحتجون صور الرئيس في مفارقة كان اقل ما وصفها به صحفي مغربي أنها متناقضة وغير منطقية لطلاب ينتمون لبلد جمهوري..
شيء من الغرابة يضاف الى التناقض حين تعرف ان المحتجين هم في الغالب من طلاب الدراسات العليا، وليسوا حديثي العهد بالثانوية العامة، حتى يؤخذ تصرفهم ذاك بانه يأتي في سياق قلة الفهم او استعطاف رحمة الاب التي اعتادوا عليها قبل تخرجهم من الثانوية..
على شاشة الجزيرة، التي انتقد الطلاب انكار السفارة لحقها في تغطية الاعتصام بطلبها الى الامن المغربي منع طاقمها من الوصول الى السفارة حيث يتواجدون، بدا طلاب يحملون صور الرئيس، وكان هناك آخر يرفع صحيفة 26 سبتمبر، في استجداء لرحمات شخصية ونفياً مقدماً عما قد يثار مستقبلا من انتماءهم للمعارضة كما هو الحال مع كل قضية طلابية او حقوقية تقابل باستهتار معتاد من السلطات على اختلاف مستوياتها حين تحيل ازمات الوطن الى مناكفات سياسية مدفوعة من قبل قوى معارضة في بلد تضج اسماع العالم بتجرتها الرائدة في التعددية..
تكشف القضية غيابا واضحا للمؤسسات وفهما فطريا لدى الغالبية بأن مفاتح كل شيء بيد الرئيس الذي ما يفتأ يتحدث عن دولة مؤسسات حتى تأتي قضية تكون فيها التوجهات الرسمية ضداً على التصريحات (المؤسساتية)، وتكون صورة الرئيس حاضرة في الاذهان والمطالب اكثر من الدستور والقانون وقد يفهم من غياب الصورة في ظل الملق القائم أن المحتجين ساخطون على الوضع العام، ومعارضين للسياسات القائمة، وهو في ظل وضع سوي في حده الادنى لا يعني حرمانهم من ابسط حقوقهم.
ايلاجا في قضية الطلاب، يتكشف جانباً من مأساة ومهزلة التعليم العالي والمبتعثين للدراسات العليا والدنيا من (طأطأ لا السلام عليكو)، وهو ما لم يكن الدكتور صالح باصره وزير التعليم العالي يتحفظ على البوح به كلما سنحت الفرصة او ضاقت مذكرات الوجهاء والنافذين وكلما أصبحت الوزارة مزاراً لكثير من المنتسبين لمصلحة شؤون القبائل- على كثرتهم- والمدججين بأكوام المرافقين والاسلحة، والذين في كثير من الاحيان يأخذون مبتغاهم بالرضا والا بالصميل البلدي، وربما لم يخف عن الكثيرين ان تهديدات الوزير بمراجعة ارشيف البعثات وتعهده بـ(فتح الملفات) كانت السبب وراء حريق التهم ذات الارشيف بعد ايام قليلة من أحاديثه.
تبدأ المهزلة بحصول كثير من المبتعثين من ابناء المسؤولين والنافذين والوزراء والمشايخ والمقربين منهم أو المحسوبين عليهم على حقوق غيرهم من اولاد الفقراء الذين طارت حقوقهم بمذكرة كاذبة من قيادات عسكرية او أخرى تسمى جدلاً "مدنية"، تفيد ان غيرهم ابناء شهداء او مناضلين(او مشاريع شهداء او مناضلين) لهم اولوية الاستحواذ على حقوق من لا يترسهم مركز قوة او نفوذ، لتكون المحصلة صراع مراكز قوى على حقوق لها اصحابها المغيبون..
وحين تختل موازين المواطنة المتساوية وتظهر بجلاء بوادر المحسوبية والفساد والمتاجرة بالحقوق وابتزاز اصحابها ونقلهم الى معارك جانبية باعتبارهم مدفوعين سياسياً، ولا يجيدون الملق مشكوك في وطنيتهم بسبب رفع شعارات المواطنة وتغييب صور الزعيم عن جدران منازلهم، وعدم حفظها الى جانب هوياتهم ان كانت لهم، تكون النتيجة اختلال كامل في موازين الحياة واستمرار في نمو معايير التمييز وغياب اسس العدالة والمساواة وإن في ادنى مستوياتها..
نتيجة منطقية لذلك، يحظى الاكثر قربا من مركز صنع القرار والاكثر قوة وتأثيراً بالنصيب الاوفر مسترجعين في هذا السياق تحقيقا رائعاً نشرته صحيفا الوسط بعنوان منح اولاد الفقراء تذهب لأولاد المسؤلين والوزراء، تعرض رئيس تحريرها على اثره الى عملية اختطاف واعتداء بسبب تماديه على (الاسياد)، رشحته لجائزة دولية هي الاولى لصحفي يمني، وربما كانت هي المحمدة الوحيدة لمأساة نهب حقوق ابناء المواطنين الـ(بدون)..
مشاكل الطلاب داخليا وخارجيا، وهي جزئية من مجموعة كلية متمثلة في مهزلة التعليم العام والجامعي، باتت تضع مستقبل الوطن على كف عفريت في ظل تأهيل اشخاص ليسوا بمستوى يؤهلهم لذلك، ليعودوا صفراً الى مناصب يستحوذوا عليها كما استحوذوا مسبقاً على المنح الدراسية..
قبل اسابيع كان (طلابنا) في تونس يطلبون مساواتهم ماليا بنظرائهم في المغرب، خصوصاً أن المعيشة في الاولى اغلى من الثانية، لكن الطلب ربما وصل عكسياً ليراجعوا ملفات الدارسين في المغرب وينفذوا قصاصاً جائرا بحقهم دون سابق محاكمة قطعا لوساوس (حسادهم) في تونس، واخراساً لأصواتهم..
قطعاً ليس ما سبق تعريضا بـ(طلابنا) في المغرب أو اتهاما لهم، بل خواطر اثارتها طريقة احتجاجهم، وهم مشاريع اكاديميين ونخب للمجتمع، وقعوا ضحايا (صحوة ضمير) مفاجئة وربما متأخرة انتابت المسؤولين اكتشفوا على اثرها ان اولئك الطلاب مجموعة فشلة ارهقوا الخزينة العامة، بقدر ما هو محاولة لتطرق اليها بعيدا عن تضامن مطلق وفقا لنظرية المعارضة، وكونهم يطلبون حقوقهم من سلطة نعارض كثيرا من سياساتها، ما يستدعي وقوفاً افتراضيا معهم، رغم اني اجدني مشدودا للتضامن مع الطلاب بالفطرة باعتبارهم ضحايا، وان كان محتملا ان بعضهم قد استفادوا من وضع مختل خارج اطار المواطنة المتساوية، وكل ذلك لا يمنع بأي حال من الاحوال منحهم حقوقهم كاملة في اطار النظم واللوائح المنظمة للابتعاث، طالما واصبحوا مبتعثين من قبل سلطات بلادهم.
غير ان احتجاجهم بتلك الطريقة، حين ترتفع صورة الرئيس ويغيب علم دولتهم، يضفي عليها طبيعة رعوية قبلية توحي ان طريقة حصولهم على تلك المنح كانت قريبة او شبيهةً، للبعض منهم، من الطريقة التي يطالبون بها عودة حقوقهم الآن..
لم يكن هناك من داعٍ للاعتصام وحمل صور الرئيس في مظهر قد يعده كثيرون اساءة للرئيس نفسه وللبلد الذي ينتمون اليه، في مملكة لا يحتج نخبتها وربما عامتها او يطلبون حقوقهم برفع صورة الملك صاحب الصلاحيات المحدودة مقارنة برؤسائنا، وآلت كثير من الاحتجاجات الشبيهة ان كتب لها الاستمرار بذات الطريقة الى مساومة شخص او شخصين على حساب البقية..
عدا مآخذ الصورة، كانت بيانات الطلاب، رقم 1 ورقم 2 ، واقعية ومنطقية ومطالبهم لا تخرج في مجملها عن توضيح اسباب الاجراءات المتخذة بحقهم، وانتقائية القرارات، والمطالبة بحقوق يقولون انها مثبتة لهم، وسط اعتصام سلمي اكدوا تمسكهم به كحق تكفله لهم نظم وقوانين بلادهم، و(الملكية) التي يدرسون بها.
وفي حين كان السفير يصرح في صنعاء انهم مجموعة فشلة، قال بيانهم رقم 2 ان السفير اقترح مبلغ 300 دولار لـ 24 طالبا(لكل منهم)، غير انهم رفضوا ذلك مؤكدين على 1000 دولار، اي 50% من مستحقات ربع عام تقريبا، ومشترطين ان يشمل الحل الجميع وليس 24 طالبا فقط، ما يعني ان مرحلة مساومة بالحقوق قد اطلت خلافا للتصريحات الرسمية للسفير -ومسؤولين غيره- تتهم الطلاب بالفشل، وينفي مسؤولية السفارة عن مشكلتهم ذات الوقت، ولم يرد تفسير من قبل الطلاب عن تغيب عشرين طالبا آخرين عن الاعتصام رغم انهم مشمولين بقرار الحرمان.
ان كان اعزاؤنا في المغرب يشعرون بان لهم حقا وانهم ليسوا مجموعة فشلة تجاوزا بسنوات الفترة المقررة لدراستهم فعليهم تصعيد اجتجاجهم بطريقة اكثر جدية، فالحقوق تنتزع ولا تاتي استجداء، وليسألوا زملاءهم في الهند وروسيا وماليزيا والاردن وغيرها، ولا عيب ان يتعلموا من سائقي الدراجات النارية، ولا ضير ان ينشروا مناشداتهم في صحف الثوري والنداء والوسط والشارع والصحوة والمواقع المعارضة والمستقلة كما سبتمبر والثورة والمواقع التابعة للحزب الحاكم، ان كانوا يؤمنون بحقوقهم وعدالة قضيتهم.
أما ان كانوا يفهمون غياب المؤسسات والمواطنة والحقوق بطريقة مختلفة ويؤمنون ان صورة الرئيس واثبات الولاء ونفي تهمة انتسابهم للمعارضة هي اقرب الطرق لاستعادة حقوقهم او ما اعتادوا عليه من مستحقات، وهو الاسهل لحرق المراحل امام ما يفترض ان تكون الاحتجاجات الجدية سبيلهم للمطالبة به، المواطنة والحقوق والمؤسسات، ان كانوا يؤمنون بأن ذلك اقرب لهم فليعتصموا بصور مختلفة لفخامته تتناسب مع اختلاف تخصصاتهم وقبائلهم، تستجدي الحقوق عبر مؤسسات مغيبة ظاهرها بوابة وصورة، وباطنها فساد وشللية ومحسوبية وبؤر نفوذ ودرجات مواطنة متفاوتة، في أسوأ الاحتمالات سيشكرون رسميا لأنهم قدموا نموذجاً راقيا لاحتجاجات لا تشوه صورة الوطن، وساوموا عن مواطنة وحقوق ومؤسسات بصورة زعيم لبلد ديمقراطي جمهوري، وتبقى الحقوق مسألة فيها نظر.
saminsw@gmail.com

الأربعاء، 18 يوليو 2007

بعد 37 سنة سجن صدر حُكم بإعدامهزز علي موسى: أبي أروِّح - عبدالكريم الخيواني

قبل أشهر أيدت المحكمة الاستئنافية حكماً بإعدام السجين في مركزي صنعاء علي موسى.
المثير هنا أن السجين قضى 30 عاماً في السجون. يقال أن الحكم من إنجازات القاضي حمود الهتار قبل مغادرته منصة القضاء إلى منبر الوزارة. لكن المعلومة غير مؤكدة. الرأي القانوني أن التسوية التقريرية للقصاص 10 سنوات سجن..
الحكم من غرائب القضاء والقضاة في اليمن، وما أكثرها، إنما دعونا نتوقف مع السجين، الذي فقد كل شيء، لكنه لم يفقد الاحساس بمغادرة بوابة السجن.لم يكن يرغب علي موسى بتحقيق رقم قياسي لقضاء أطول فترة عقوبة في السجن، إنما يبدو أنه كذلك، ولعله سيدخل موسوعة غينيس رغما عنه بعد أن خفف الرقم القياسي كأقدم سجين وصاحب اطول فترة عقوبة ربما ليس في اليمن أو المنطقة بل في العالم بعد وفاة الجنرال الألماني (هس).
السجين علي موسى لا يدعي فضلاً في تحقيق هذا الرقم، بل الفضل كله يحسب للنظام القضائي القائم، للقضاة، للنيابة، وإدارات السجن المتعاقبة.
أما موسى فغير معني بكل ذلك ولا بنتائجه، إنه خارج إطار الوعي العام، والإدراك، حتى أنه لا يعرف إلى أين يغادر لو سُمح له.
يتفق الجميع أن علي موسى موجود في السجن المركزي بصنعاء منذ افتتاحه قبل حوالي 29 عاماً، جاء إليه قادماً من السجن الحربي، وقبل ذلك من سجن محافظة البيضاء حيث قضى 7 سنوات.
مجموع ما قضاه موسى سجيناً يتراوح ما بين 32 إلى 37 عاماً. لكن علي موسى يقول إنها أربعون عاماً وشهران وخمسة أيام.
هذا التحديد الدقيق هو الأجدر بالتوقف عنده، من رجل لا يتكلم إلا نادراً.
علي موسى، رجل في منتصف العقد السادس من العمر، لا يخفي أنه سجن بسبب قتله لابن عمه في «عفار» إحدى قرى محافظة البيضاء. لا تعجبه كلمة «عم» ويجيب بلهجة بدوية كهيئته التي لم يفقدها رغم طول مدة سجنه. لا يتسول، ولا يقبل الصدقة، إنما يطلب من الحارس «قروش».لا يعرف غير الحارس، ولا يعنيه غير الحارس.
لا يعرف القاضي، ولا الرئيس، ولا الوزير.لا يخاف، ولا يفرح، محتفظاً بهدوئه دائماً، والقرن بادر على محياه، إلا مرة كل عام أو عامين يحضر فيها أخوه (أحمد) يعطيه «معوز» و«شميز» ومبلغ 700 ريال، حد قول أحد قدامى الحراس الذين باتوا يتعاملون مع علي موسى كأحد أشياء السجن المألوفة التي لم تعد تلفت النظر.
قال الحارس: «هذا هو علي موسى الذي عرفته كأقدم «شيء» في السجن المركزي بصنعاء، لم يتغير إلاَّ شعر رأسه ولحيته من الأسود إلى الأبيض، وبطنه المنتفخة غير المتدلية».
فقد علي موسى الاحساس بكل شيء حوله. لا يشكو، لا يتألم، لا يسأل، لا يجيب إلاَّ باقتضاب ومتى أراد، لا يثق بأحد، ولا يصدق بسهولة، ولا يهتم بشيء... لكنه كل يوم يذهب إلى البوابة قائلاً لحارسها أياً كان: «أبي أروِّح» ويتوقف عندها فترة وبين حين وآخر يكرر العبارة كأنها لازمة لا ينساها كلما أقترب من باب السجن المؤدي إلى مكان الزيارة والمغادرة ربما هو بابه إلى الذاكرة والعالم الخارجي، وربما باعتباره آخر معالم ما وراء القضبان.
يقول الحراس إنه إذا حارس ما -على سبيل المزاح- رد بالإيجاب على طلبه «أبي أروح» وفتح له الباب، يتراجع علي موسى قائلاً: «أروح أجيب «البطانية» التي لن يغادر السجن بدونها، ولا يعلم احد قصة «البطانية» واهميتها البالغة لدى موسى. وينتهي الطلب والرد في الزحمة اليومية للسجان والسجين ليعاود علي موسى طرح طلبه اليوم الثاني.
«القروش» من فئات الخمسة والعشرة والعشرين، هي الأهم لدى السجين موسى يذهب إلى أي دكان في السجن ويشتري حليب، بسكويت... ويسلم خمسة، طالباً الباقي. وأما إذا أخذ دجاجة فإنه يسلم الخمسة الريالات كاملة ثمناً لها، وعن طيب خاطر، ولا يمانع بدفع ريال ثمناً لكوب الشاي.. ويرفض أن يأخذ ذلك مجاناً مشترطاً أخذ الثمن الذي حدده، ويقبل الباعة في السجن ذلك عن طيب خاطر متفهمين أن لائحة أسعار علي موسى تعود إلى ما قبل دخوله السجن، حيث توقف به الزمان، والوقت، والاحساس.لا يمكن القول أنه مجنون، ومن الصعب الحكم بأنه عاقل.
المعلومات تشير إلى أن علي موسى محكوم بالإعدام إنما لا يعلم أحد السر في عدم التنفيذ عند صدور الحكم، ولا يتذكر أحد في السجن ان موسى مثل أمام محكمة، ويعتقد أنه دخل السجن المركزي محكوماً، خلافاً للمعلومة الواردة في المقدمة.
معلومات أخرى تفيد أن ثمة من يأتون بين حين وآخر لرؤية موسى ويسلم، له «مائتين ريال» يعتقد أنهم أولاد عمه، يتأكدون من وجوده. وأما مبلغ المائتين إلى معرفة مدى سلامة تمييزه. سجين قال أن طول المدة لا يعني نسيان الثأر عند «العثيلي»، حد تعبيره. وقال: «من يقول ان القصة لم تعد محل متابعة؟» معلومة محيرة اشارت إلى أن إدارة السجن طلبت من موسى قبل أشهر قليلة البصم على أوراق رسمية يعتقد أنها تخص تنفيذ العقوبة، لكنه رفض وبشدة وقاوم واقتنع لأنه اعتبرها تنازلاً عن ميراثه وأرضه وأملاكه، ولم تجبره الإدارة على التوقيع والبصم، لكن ذلك لا يمنع أن يفاجأ صباح يوم ما بأخذه لتنفيذ عقوبة الأعدام.
وسواء كان علي موسى قد سجن 35 أو 40 عاما فما الرأي القانوني هنا؟ وهل يجوز تنفيذ حكم بعد كل هذه المدة؟ أين القضاء و العدل والنيابة وادارة السجن طول هذه المدة؟ ولماذا سمحت بإهدار حياة انسان؟ من يتحمل مسؤولية ما تعرض له هذا الرجل، ومن يحاسب على الاهمال؟ لا تحتاج إلى دليل على غياب العدل، والإنصاف والضمير والقضاء والادارة، بل وحتى الانسانية في حالة علي موسى.
السجناء في المركزي يخشون تنفيذ عقوبة الاعدام بموسى، وبينما ينشغل البعض بذلك، يبقى علي موسى غير معني أو منشغل بالأمر، حاصراً همه ومركزاً اهتمامه على البوابة و«أبي أروِّح».ترى أليس اعدام احساسه، والقضاء على حريته 40 عاماً كافياً، جريمة أخرى تضاف إلى سجل الجرائم القضائية والاهمال الرسمي ضد موسى وغيره في وطن الانسان هو الأقل قيمة?!.