الأحد، 19 أكتوبر 2014

الحوثي في مهمة لتمزيق اليمن.. عبدالعزيز المجيدي



 نهاية سبتمبر، العام الفائت، نشرت صحيفة نيويورك تايمز خرائط مستحدثة، بموجبها ستنشأ 15 دولة جديدة من 5 دول عربية قائمة الآن. على رأس هذه اللائحة، سيكون رأس اليمن مطلوبا، لمقصلة التقسيم، بالإضافة إلى السعودية والعراق وسوريا وليبيا.
المؤكد، أن الصحيفة لم تكن تخمن، ولا علاقة للخيال بالأمر، فهذه النبوءة المستعجلة، كانت ملامحها تتشكل في بعض الدول منذ سنوات، وساهمت أنظمة هذه الدول والقوى الكبرى في مفاقمتها ووضعها على مقربة من الهاوية.
لا يبدو أن خريطة الصحيفة الأمريكية، ستتعثر كثيرا، وكان عليها أن تنتظر سنة واحدة فقط في اليمن على الأقل، لترى اللمسات الأخيرة، وتنفيذ الخرائط على الأرض.
ففي نفس شهر سبتمبر من العام الجاري، وبتواطوء إقليمي ودولي، وضعت جماعة الحوثي المسلحة، المدعومة من إيران، البلاد على سكة التقسيم.
اجتاحت الميليشيات صنعاء، وسيطرت على العاصمة، وعندما أكملت وضع يدها الثقيلة على الرموز السيادية للبلاد، ذهبت لتوقيع اتفاقا، ترعاه الأمم المتحدة " اتفاق السلم والشراكة" تحت تهديد القوة، كما قال مستشار لعبدربه منصورهادي !
في الواقع، سيدون التاريخ أن الأمم المتحدة، لم ترعى اتفاق الانقلاب فحسب ، بل ما هو اخطر منه، وهو " القاء القبض على الدولة" بحسب وصف احد الصحفيين، والسيطرة على مؤسساتها من قبل ميليشيات،منحت نفسها حق الحلول مكانها!
لكن هذا لم يكن سوى الفصل الأخير من مهزلة "الدور الاممي والدولي والإقليمي" الذي بدأته هذه الأطراف بمسرحية "المبادرة الخليجية ".
من هذه الفجوة الكبيرة، بدأ مسلسل السقوط اليمني والوصول إلى لحظة الفاجعة هذه.
فبعد محاولة شعبية لإشعال ثورة، بددتها القوى السياسة بالإذعان لخطة " إنقاذ " خارجية لنظام صالح، تشكلت معالم خارطة الجحيم التي صنعت لهذا البلد، فانتهت سلطة مراكز النفوذ التي صممتها المبادرة، إلى مجموعة من النازحين والمنفيين والمقيمين جبريا في مناطق خضراء، بينما تركت البلد وما تبقى من مؤسسات الدولة للميليشيات.
ما حدث لم يخلو من مزايا ايجابية، على الأقل من هذه الزاوية، فقد انتهت أكاذيب المبعوث الدولي في اليمن وسفراء الدول العشر، ووضعت الخاتمة لأسوأ خدعة وقع فيها اليمنيون.
لقد انتهى كل شيئ مرتبطا بالسياسة وأدواتها، وجرى إخلاء المجال السياسي وتجريفه، وأصبحت كل الدولة في عهدة ميليشيات تتصرف باعتبارها الوريث الوحيد للبلد، وفتح الباب واسعا لاستقطابات خيارات العنف ! .
إلى جانب هذه الميليشيات، بقي صالح الذي أنقذته المبادرة الخليجية، باعتراف سعودي من ثورة شعبية ، لاعبا في المشهد، متحالفا بولاءاته العسكرية والقبلية، مع الجماعة التي شن عليها ست حروب !
أما الرئيس المفترض، فيقيم في محمية أمنية، لا يتحدث إلا لماما، وفي كل ظهور يؤكد، عجزه وافتقاده للجرأة والفعالية، وانه بات في عهدة الحوثي، وعلي صالح، وظيفته باتت اقرب الى عامل تحويلة الهاتف !
هو لم يقل ولم يفعل شيئا يناقض هذه الصورة ، فماذا تبقى من رئيس، يوضع في صورة المشرف على تمزيق البلاد، ورعاية الاجتياحات المسلحة للمحافظات ؟
بالنسبة لقيادات " الإذعان المشترك " فقد لاذوا بالصمت، وانسحبوا إلى خدورهم وحياتهم الخاصة، كأن شيئا لم يكن، بطمأنينة من يشعر بالامتنان بان البلد قد استقر في "المضيق" فعلا !
لقد خامرت الحوثي مشاعر المنتصر المسكون بإعادة ما يعتبره " حقا الهيا" في حكم البلاد، واندفع بشراهة، يلتهم المحافظة تلو الأخرى، تباركه تصريحات الملالي في طهران، وحسابات إقليمية غبية لدول مجاورة، وضوء أخضر دولي لم يعد خافيا.
يعرف المجتمع الدولي تعقيدات وفجوات الشخصية اليمنية، وطبيعة التركيبة الديمغرافية اليمنية التي تعاني من تشظيات وانقسامات رأسية، لذلك بدا في صورة، إن لم يكن الداعم ، فغير المكترث، بإلقاء الدولة في قبضة ميليشيات.
كان على عبدالملك الحوثي على الأقل ، أن يلتفت جنوبا، ليعيد النظر، في اجتياح صنعاء، ودق الإسفين الأخير في ما تبقى من وحدة تعصف بها الأمواج ولم ترس بعد على شاطئ.
وكان عليه أن يتأكد من أحلافه الذين يجتاح بهم المحافظات، ومقاتليه، ليعرف مقدار التأثير الذي يمكن أن يحدثه لدى المتلقي الجنوبي، وهو يتقمص دور صاحب القول الفصل في مستقبل الجنوب في خطابه الأخير بمناسبة 14 اكتوبر!
ربما خامر الجنوبيون شعور بالاهانة، فقائد الجماعة التي زايدت على قضيتهم، يوم كانت عالقة في مران ، والاقرار بحقهم في تقرير المصير، بدا الجنوب بالنسبة لها كما لو كان جزءا من ارث خاص، وحدها من يحق له التصرف به !
ذاكرة هذه الجماعة، تتعمد إغفال دور( حليفها العصبوي الآن ) في اجتياح الجنوب ونهبه بعد حرب 94 وانتهاج سياسات ضربت الوحدة في الصميم.
مارس هذا النظام صنوف التهميش والإقصاء للجنوبيين، وبينما كان صالح يفرض الوحدة بقوة السلاح والمعسكرات وتلاحم عصبته، كانت عرى الوحدة في نفوس الناس تتفكك واحدة تلو الأخرى.
ظلت تعبيرات ذلك تتراكم، حتى انفجرت بصورة واضحة ، منظمة ، ومنسقة، مطلع 2007 عبر جمعيات المتقاعدين العسكريين والأمنيين. هذه التجمعات قادت ما بات يعرف لاحقا، بالحراك الجنوبي، وتصاعدت المطالب إلى فك الارتباط واستقلال دولة الجنوب.
على هذه المعطيات تستند خريطة النيويورك تايمز، حيث غدا لدى الساسة في الغرب ما يشبه اليقين، أن الجنوب ذاهب إلى الانفصال.
لكن ذلك ظل توقعا، يفترض بأي حركة تزعم انها تهتم للبلد ومصالحه، مهما كانت مجنونة، أن تحسب حسابه في خطواتها العسكرية والسياسية. لكنها ربما تشعر بقدرتها على مقايضة انفصال الجنوب، مقابل السيطرة على الشمال، لذلك هي منهمكة في إحياء ميراث الإمام يحي واستعادة السيطرة على دولته "الزيدية ".
في ما يخص اليمن، توقعت الصحيفة تقسيم الجمهورية اليمنية، إلى دولتين، والعودة إلى وضع ما قبل عام 90 مع احتمال ضم حضرموت إلى دولة وهابستان التي ستنشأ في نجد وسط المملكة، وسترث الدولة السعودية الحالية، بعد تقسيمها إلى خمس.
بالتحديد، سيكون على الدولة السعودية التي ستقتطع منها مناطق الاتجاهات الأربع، أن تقضم جزءا مهما من الأراضي اليمنية لتحصل على منفذ إلى بحر العرب!
لكن خريطة الصحيفة الأمريكية ،ستبدو رحيمة بالفعل، مقابل جموح واندفاعه الجماعة التي تستند على عصبوية اجتماعية ومذهبية يقظة، حيث ترسم بممارساتها ملامح تقسيم البلاد إلى أكثر من دولتين!
تعتمد تقسيمات الدول والخرائط " المتخيلة" للنيويورك تايمز، على محددات رئيسية تعبر عن حالة الانقسام التي تسود هذه الدول وعدم التعايش .
على رأس هذه المحددات ، البعد الطائفي والعرقي والقبلي والجهوي . هذه المحددات نفسها يمكن إسقاطها على الحالة اليمنية، لاستشراف، مستقبل ما بعد التقسيم إلى شمال وجنوب .
على أساس عرقي ستنشأ دولة كردية شمال العراق تضم اكراد سوريا، وستعتمد الاساس الطائفي لانشاء دولة في جنوب العرق " شيعستان" وفي الوسط " سنستان " تجمعها مع المناطق السنية في سوريا، بالاضافة الى دولة " علوية " ودرزية ".
كان على الحوثي أن يعود إلى أدبيات وتصريحات قيادات الجماعة عند النشأة على الاقل، ليعرف أن " انصار الله" مهما تحاذقوا في التسميات، فهم ليسوا أكثر من جماعة طائفية ، كانت تطالب بحرية المعتقد، وترديد الصرخة، وهذا حقها، لكنها لن تستطيع بطبيعة نشأتها، أن تكون بديلا للدولة، بل ستلعب دورا تدميريا ، للدولة اليمنية، ضمن مشروع تقسيم تشتغل عليه القوى الكبرى.
سواء كان واعيا لهذا الدور أم لا ، فهذه " الغزوات" المسلحة للمحافظات اليمنية بعداجتياح العاصمة تجعله منهمكا في هذه اللعبة ورأس الحربة فيها.
لا اعتقد ان الحوثي لا يعرف أن ثمة مخططا لإشعال المنطقة في اقتتالات طائفية وعرقية، تقوض أي فرصة لبناء دول متعايشة وتنعم بالاستقرار، مع ذلك فقد غرق في اللعبة والأطماع، يغذيها مخيال تاريخي ، لاستعادة دولة مفقودة للائمة في اليمن، مستفيدا من رصيد وتحشيد عصبوي يمثل قلب الحركة وعقلها!
لقد خرج الناس في تعز، لمواجهة الأمير احمد "ياجناه"، في ثورة المقاطرة ، وهو ما هو عليه كنجل للإمام يحي، الذي كرسته السردية الرسمية، كمحرر لليمن من الاحتلال العثماني!
ثم جاءت محاولة ثورة سبتمبر، امتدادا لحالة التمرد والشعور بالتهميش والإقصاء والعزلة التي سكنت أعماق طيف واسع من اليمنيين، مثلت المناطق السفلى من اليمن خزانه الضخم .
وبعد هذه العقود الفارطة، وبعد كل ما حدث، من تغييرات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وتقنية، فلن يقبل هؤلاء أن تحل محل الدولة ميليشيات هي أصلا تمثل قسما صغيرا من التركيبة الديمغرافية، وتحن لعهود الاصطفاء واحتكار الرئاسة !
الناس هنا، في المحافظات السفلى من اليمن، كما هوحال يمنيين كثر في المحافظات الشمالية مسكونون بفكرة الدولة التي ظلوا يلاحقون شبحها طيلة 52 عاما، ولا أظنهم سيسلمون بسهولة.
حتى في حالتها المتحللة الآن، فإن بقايا الدولة خير من عدم وجودها، رغم ما يعتري بنية بعض مؤسساتها كالجيش والأمن من اختلال فادح يجسد حالة الانهيار وعدم التمثيل الوطني !.
لا أحد ضد جماعة " انصار الله " كمكون يمني مهما كانت الخلافات معه، فليس من حق احد إقصائه، وقد دافعت عن حق اتباع الحوثي في الاعتقاد، والتحول إلى فصيل سياسي، نخبة يمنية كبيرة منذ الحرب الأولى التي شنها حليفهم، اليوم، صالح !
هذه الحساسية في مناطق تعز وإب ، والحديدة ، وحتى البيضاء ، وبقية المناطق، إن لم يضعها الحوثي في حسبانه، فهو يقدم البلاد، على طبق من ذهب كساحة اقتتال طائفي، ستغذيه كل الأطراف والجماعات المنخرطة في مشروع التقسيم.
إنه يقدم خدمة جليلة للقوى الدولية التي يزعم معاداتها، ويذهب بالبلد إلى حرب تمزيق واقتتال لا ينتهي.
في منطقة دماج بصعدة، عندما قام الحوثيون بشن حرب التهجير ضد السلفيين وطلابهم ، تعامل "مثقفون" من أنصار الجماعة وما يسمى بجناحها المدني، مع الآلاف من اليمنيين منهم، كأجانب ودعوا إلى طردهم من صعدة!
وعندما تحاول ميليشيات طائفية مسلحة، اجتياح محافظات والسيطرة عليها، تصبح في مواجهة الدواعش والتكفيريين. انها عملية إعادة تعريف للمناطق أكثرمنها وصف لأطراف اوجماعات، تستلهم الحالة العراقية بكل بشاعتها !
هذا الخطاب يتماهى مع المخطط الدولي لتقسيم البلاد، وكل ما يفعله الحوثي هو تنضيج ظروف وشروط الخطة، لتدشين مرحلة بناء دول الطوائف!
في إب، مارس غطرسة جماعة، تريد السير في إذلال اليمنيين، فشعر الناس بالاهانة، فخرجوا ليدافعوا عن المحافظة.
كانوا يثقون في أن قوات الجيش والأمن والسلطة المحلية، على علاتها ستقوم بالمهمة، فانصرفوا إلى شانهم، لكنها خذلتهم، وقدمت لهم دليلا بأنها اصبحت ميتة. في هذه الحالة ، إذ يصبح الحوثي مستبسلا في مهمة قتل ما تبقى من ملامح الدولة، لن يكون بمقدوره أن يصبح حلا على الإطلاق.
لا يستطيع احد الحديث عن فصيل سياسي خرج لمواجهة الحوثي، فنحن جميعا نعرف أن معظمهم، ينتمون لأحزاب سياسية مختلفة بما فيها المؤتمر، ولو كانت الهوية السياسية هي الدافع، لكان هؤلاء يستلقون في منازلهم، كقادتهم في صنعاء !
لا يدرك السذج ممن يلوكون الرواية التقليدية التي استهلكها الحوثي " عن مواجهة الدواعش والاصلاحيين والتكفيريين " ، حساسية هذه المناطق حيال فكرة الاجتياح من جماعات مسلحة من خارج المحافظات، تسندها ذاكرةعقود من الظلم والاستعلاء المتراكمة على هذه المناطق، ليس آخرها حقبة صالح.
اليوم يدور القتال بين أبناء المحافظة وجماعة الحوثي، وتنتفض الحديدة للمطالبة بمغادرة الميليشيات المحافظة، وقبلهم، تستنفر تعز، لاتخاذ تدابير لمنع الميليشيات من الدخول، وتمكين ألوية الجيش المتبقية وأجهزة الأمن من حماية المحافظة . لا يريدون حتى هم أن يكونوا بديلا للدولة، لكن الحوثي يصر على استدعاء نقيضه الطائفي العنيف " القاعدة وانصار الشريعة " ليخلو لهما المشهد، فيسهل دمغ أبناء المحافظات الرافضة وجوده المسلح، بالإرهاب والداعشية ، في تملق وتوسل صريح، لرضا أمريكي !
مغازلة المزاج الأمريكي الذي يميل إلى مهادنة إيران مؤخرا، بهذه الطريقة، لا يخدم سوى خطاب القاعدة ويغذي نشاطها، لكنه، لن ينجح في كسر عزيمة هؤلاء الناس، وعندما يحدث ذلك، فإن " القاعدة " والجماعات الإرهابية، ستصبح حليفا اضطراريا، كما حصل في العراق، لتصب الفكرة في نهايتها إلى إنشاء خرائط طوائف و دول، معمدة بالدم والكراهية .
هنا يجري استنساخ هذه التجربة المدمرة بحذافيرها بصورة مجنونة، دون اكتراث بالمآلات والنهايات المفجعة للبلد وناسه.
لقد نجح الحوثي حتى الآن في ضرب الدولة والسيطرة على ممتلكاتها ومؤسساتها، لكنه حقق نجاحا اكبر في ضرب السلام في نفوس اليمنيين، وألقى بهم إلى التربص والثكنات.
في تعز، كما في إب ، لم يعد احد يكترث لفكرة المقاومة السلمية لهذه الاجتياحات.
لو حاولتَ استنهاض هذه الفكرة في هذا الوقت، فستُمنى بخسارة فادحة . شباب وفتيان وكبار سن، من مختلف التوجهات، يرفضون حتى مناقشة هذه الخيارات ويطالبون بحمل السلاح ، باعتبار أن الوسائل السلمية ليست أكثر من هروب و تلاعب غير مجدي.
حتى أولئك الذين صفقوا له أحيانا وقت رفع الشعار الأكثر تضليلا وخداعا في التاريخ : إسقاط الجرعة والحكومة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، باتوا أكثر المناوئين لحضور الحوثي المسلح.
هذا ما فعله أعضاء في مجلس النواب في تعز أثناء لقاء الأعيان بقائد المنطقة العسكرية الرابعة نهاية الأسبوع الفائت، بينهم السامعي من الاشتراكي والدهبلي من المؤتمر.
في الواقع لقد ذهب الحوثي بالبلاد إلى الحرب الأهلية، وأخذ على عاتقه مهمة تمزيقها إلى دول وطوائف. فعل ذلك وهو يدرك أننا بلد عالق بين مجالي ضغط إقليميين، يتنازعان النفوذ، ويشحذان أسلحتهما الطائفية لنتقاتل لمصلحتهما، وجماعته قطعت نصف الطريق حتى الآن.
إن لم يفرمل هذا الجنون، ومازال بمقدوره أن يفعل ويجنب البلاد مزالق الدم، فانه ذهب في طريق، مسار العودة منه، مغلق ويصعب فتحه.
هذا السلوك الاستعلائي والغطرسة، لن يحقق له ولراسمي خطط ميليشياته المحليين والإقليمين، سوى نتيجة واحدة : دفع اليمنيين إلى حمل السلاح وتقديس تعاليمه.
الحوثي نفسه بهذه النزعة الحربية المتعصبة، يقول لبقية المحافظات في الشمال والجنوب : الدولة المتخيلة التي تبحثون عنها، ليست أكثر من بندقية، ويد على الزناد، لذلك ستظل هذه أفضل تعاليمه المحفوظة للأسف !

السبت، 11 أكتوبر 2014

مسؤولية الحوثي تجاه السلم الأهلي


عزت سلطة الامر الواقع التي تحكم صنعاء، التفجير الانتحاري في التحرير لاطراف خارجية لم
سامي نعمان
تسمها، وان فعلت فستتحدث عن المخابرات الامريكية والاسرائيلية،
دونما دليل أو استشعار لخطورة المنزلق الكارثي الذي دخلته البلاد، ورغم أن القاعدة او واجهتها المعروفة بأنصار الشريعة أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم المروع.
للمرة الاولى يستهدف هجوم انتحاري تجمعا لغير العسكريين، وهو منزلق خطير وفاصل في تاريخ البلاد وسلمها الاهلي.
حسنا؛ ما يفترض ان يقوله السياسيون الخانعون السلبيون -حتى حينما يتعلق الامر بدماء الابرياء ومؤشرات فتنة طائفية قبيحة- عبر احزابهم المستكينة الخاضعة لسلطة الامر الواقع والخيارات المفروضة بقوة السلاح، سنقوله نحن الصحفيون والكتاب واصحاب الرأي المستقلون..
قدرنا أن نشغل فراغ السياسة والمعارضة؛ ونتحدث بتخفف من كل الحسابات سوى مصلحة الوطن وسلمه الاهلي.
الجهة التي تقف وراء ذلك التفجير الارهابي المدان الذي اودى بحياة عشرات الابرياء ، وبصمتها واضحة للعيان بجلاء وهي القاعدة، تتحمل مسؤولية هذا العمل الوحشي البربري، ومن الحماقة والعدمية واللامسؤولية إلقاء المسؤول عن الأمن بالمسؤولية جزافا على المخابرات الاجنبية وأطراف خارجية، فذلك يضاعف مسؤوليتها ازاء الجريمة ولا يلغيها.
ثم؛ إن المسؤولية التي كانت تتحملها السلطة الرخوة ممثلة بالرئيس وسلطات حكومته الامنية والعسكرية انتقلت الى ذمة سلطة الامر الواقع ممثلة بميليشيات عبدالملك الحوثي ابتداء من يوم الانتكاسة الوطنية في ٢١ سبتمبر الاسود الماضي.. انتكاسة بما آلت اليها الاوضاع من وضع يد الميليشيا على مختلف مؤسسات الدولة السيادية، وفرض نفسها لاداء وظيفة الدولة في مختلف اجهزتها خصوصا الجيش والامن.
يتحمل عبدالملك الحوثي شخصيا ومعه كل قادة ميليشياته الميدانيين -وتفرغاتها الطارئة المضللة بتسمية اللجان الشعبية- الذين اداروا عملية استباحة العاصمة المسؤولية السياسية والامنية والاخلاقية عن دماء هؤلاء الابرياء الذين خرجوا للهتاف باسمه وترديد مطالبه وممارسة الضغط لتاكيد سلطته، ومن الهراء والعدمية اغلاق الملف على اتهام اطراف خارجية..
ذلك أمر غير مقبول بالمطلق، حتى وان كان دأبهم الدائم للتغطية على انكشاف عورتهم الامنية في المناطق التي يضعون اليد عليها وعلى اجهزتها والتي طالما سوقوها كتجربة مثالية واعدة لادارة الدولة رغم كل التعتيم على الانتهاكات والتحلل من قيود الدولة معةالحرص على ابقائها شكليا.
كما وتحصل فيها اختراقات امنية مهولة كسلسلة تفجيرات وعبوات ناسفة في صعدة وسط مظاهرات الحوثي والاسواق وصولا الى التفجيرات الاخيرة في عمران قبل اسابيع.. إذ عادة ما يغلقون الملف على اتهام عدمي للاستخبارات الاجنبية والشيطان الاكبر.
هذا استهتار بدماء الناس وارواحهم، وقتل معنوي لعشرات الاسر التي تفقد اطفالها ورجالها المجندين في كتائب الحوثي، او من غيرهم، فيما الحكومة الفاشلة الغاشمة كما يصفها الحوثي تبقي الملفات مفتوحة وتتوعد بالقصاص ويحدث أحيانا ان يصل الى خيوط بعض الخلايا المنفذة للجرائم، أما سلطة الحوثي فتسارع بلملمة عورتها المنكشفة على عشرات الضحايا بالحديث عن اطراف خارجية يسوقها ويخادع بها اتباعه المساكين المكلومين، وفيهم مشروع قتلة او ضحايا، وكثير منهم مجندون في سن الطفولة.
بكل أسى وحسرة، لا يستطيع اي منصف ان يحمل سلطة الرئيس هادي الواقعة تحت وصاية الامر الواقع المسؤولية، ذلك ان عبدالملك الحوثي اصبح صاحب سلطة القرار الاولى والنافذة، حتى ان الرئيس المحاصر في دار الرئاسة جرب اختبار بقايا سلطة قراره بتعيين بن مبارك رئيسا للوزراء، فارغم على التراجع عن القرار في غضون اقل من ثمانية واربعين ساعة، وهي توازي المهلة المقررة لاختيار رئيس الحكومة التي تطاولت الى ١٧ يوما عادت بعدها بقوة الحوثي وحدها الى مربع الصفر.
وبذات منطق تحميل المسؤولية في حالة الجريمة الدموية على اطراف خارجية كشماعة لا غنى عنها، أعلن الحوثي، رفضه لبن مبارك مرشحا لرئاسة خكومة باعتباره مرشح السفارات الاجنبية.
يتحدث الرجل عن السفارات الاجنبية في وقت يتعامل كوكيل لايران وآخر الشواهد المؤكدة لذلك الضغوط التي مارسها على الذي وجه بالافراج عن بحارة يمنيين ادينوا بتهريب اسلحة ايرانية قاتلة وفتاكة لليمن، ومحتجزين ايرانيين اخرين في الامن القومي.
الحوثي هو الحاكم، وهو صاحب اليد العليا، وهو مركز صنع القرار اليوم، وهو بذلك؛ يتحمل جزءا مهما من المسؤولية عن الجرائم التي تقع خارج نطاق سلطته بما هو واضع اليد على مركز الدولة والمتحكم في قرارها السيادي، وتلك تفرض عليه التزامات تحتم ان يتحملها دونما مغالطات، بغض النظر عن رفضنا لها اذ هو الواقع الماثل الى حين.
ساتحدث بحسن نوايا وسذاجة مفرطة معولا على صحوة ضمير الحوثي تجاه وطنه، وشعبه وانصاره بما هم جميعا مواطنون يستحقون الحياة والامان.
أمام الحوثي مسؤوليات والتزامات كثيرة ان كان يستشعر مسؤوليته الوطنية والاخلاقية تجاه من يسميه شعبه، تجاه مواليه وانصاره ان لم يفكر بغيرهم، إن كان يكترث لدمائهم.
نتمنى ان يتداركها حفاظا على النسيج الاجتماعي، فالناس يذكرون من عمل لاجل حياة الناس لا من فتح لهم ابواب الجحيم، واسهم في اشعال فتن طائفية في البلاد.
الحوثي معني بسحب ميليشياته من صنعاء وكل المدن، وتسهيل استعادة هيبة الدولة الهزيلة ورد اعتبارها ووظيفتها التي صادرها واحتلها بقوة السلاح بعد معركة همجية استباح بها احياء في العاصمة بسكانها ومساكنها، ولتتظافر جهوده وشعبيته مع جهودنا لنضغط بفعالية باتجاه بناء دولة محترمة ومسؤولة ونراقب ادارتها بفاعلية بما يمكنها من اداء وظيفتها بالشكل الأنسب، وحماية جميع مواطنيها بلا استثناء، وحفظ مصالحهم ومستقبل ابنائهم. 
الحوثي معني بتبني مبادرة وطنية بعيدا عن غرور القوة واستعراض السلاح والمجندين في مناطق سيطرته، بعيدا عن التباهي بسلطة التأثير على صنع القرار، مستحضرا بمسؤولية مشهد دماء الابرياء الذين قتلوا في تفجير مروع يوم الخميس الدامي.
مبادرة جادة، من موقع قوة ومسؤولية المنتصر النبيل، ستسجل في التاريخ لصالح المستقبل والاجيال، يكتفي معها بشعبيته الكبيرة التي تؤهله لتمثيل حيوي بارز ومستحق في الحكومة والهيئات المنتخبة؛ على ان ينسحب بموجبها رصيد القوة وادواتها، سلاحه وجميع الميليشات البلقانية الاخرى بالتزامن لصالح الدولة، والدولة الوطنية وحدها، بما يضمن بقاء سلطة القوة وحماية خيارات الشعب بيد جيش وطني يتنازل لاجل بنائه الجميع بما يمكنه من اداء مسؤولياته الدستورية والقانونية تجاه الوطن وسلمه الاهلي، ومن يرفض ذلك سيصبح غريما للدولة وخصما للشعب للشعب، الذي سيكون معنيا بالاصطفاف الحقيقي في مواجهته، ومن منظور وطني خالص.
التحول الذي وقع بالامس خطير على السلم الاهلي، وينذر بموجة عنف دموية طائفية مروعة نحن في غنى عنها، وبما أن الحوثي مسؤول حتى اللحظة عن جزء مهم من اسباب اثارتها فهو مسؤول بما هو سلطة امر واقع أيضا، ومعني بالانسحاب وتلافي اسباب الحرب الطائفية وتعزيز حضور الدولة الوطنية وتمكينها من اداء وظيفتها في حمايته واتباعه وحمايتنا على حد سواء، بما يفوت الفرصة على حروب طائفية لن تتعاف منها البلاد لسنوات وربما لعقود ولن يسلم من نارها أحد، ناهيك عن احتمال تدخلات اقليمية ودولية ستجد اليمن مسرحا مناسبا لتصفية صراعاتها المستفحلة فيها.
وبغير ذلك فسيتحمل، الحوثي وجماعته، وزرا ومسؤولية اكبر تجاه مستقبل كارثي طافح بالدماء تؤشر اليه كافة تفاعلات العنف القائمة حاليا تبعا لكافة الممارسات الطائفية المجنونة، والتي توشك ان تؤكد سقوط البلاد في مستنقع الحروب الطائفية.
بالنسبة للتيار الوطني والسياسي فسيتخط طريقه المستقل عبر مبادرة مدنية ترفض دورة العنف ومشاريع العنف والدمار والنزعات الطائفية الصغيرة.. التيار المدني ينطلق من رؤية وطنية جامعة تشمل جميع الرافضين لدورة العنف والارهاب ولا تقر بغير سلطة الدولة وتكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية.
لن نكون طرفا في أي حرب طائفية، ولن نصطف مع اي طرف في موجة العنف والبربرية الهمجية والعنف المضاد.. سنواجه كل المشاريع الصغيرة بمشروع وطني ومدني كبير وجامع ينشد الدولة والمواطنة، والسلم الاهلي والمستقبل الامثل لأجيالنا.
علينا ان نتذكر جميع ومن منطلق المسؤولية، ان المقامرات والمغامرات الطائشة لا تكون بمستقبل البلاد وسلمه الاهلي، ذلك انها ليست مجالا لان تكون مجرد حقل تجارب ثمنه عقود من الحروب والتشرد والدماء والدمار.
==============
نشر المقال بجريدة الشارع وموقع المصدر اونلاين بتاريخ 11 اكتوبر 2014
http://almasdaronline.com/article/62814.

حكومة قبل الدولة.. فشل مهمة وضع العربة قبل الحصان



ليس مفاجيء أن يرفض أحمد عوض بن مبارك بسبب شطحاته الخيالية حول داعش والتدخل
ميساء شجاع الدين
الخارجي باعتباره صاحب الشرعية الوطنية التي تعزز السلم الأهلي وتبعد عن اليمنيين شبح القاعدة أو باعتباره يعبر فعلاً عن مصلحة وطنية وإرادة شعبية في وقت تحاصر ميلشياته الأمن القومي في مهمة إيرانية خالصة بينما لم يجد دليل ملموس في اتهام أحمد عوض بالعمالة الأمريكية، لا يجد الحوثي غضاضة في اتهام الآخرين جزافاً ولا يملك حجج منطقية على أي من كلامه، فلو كان رفضه منطلقاً من ضعف خبرة بن مبارك لكان اكثر وضوحاً لكنه آثر اتهاماته الجزافية التي تناسب أوهامه كوكيل حصري للوطنية في اليمن.
تعنت الحوثي وإهانته لمن يفترض إنه رئيس دولة عبدربه منصور نتاج طبيعي للعملية السياسية المقلوبة والتي تؤسس لوهم حقيقي أسمه الدفع بالعملية السياسية ضمن اتفاق السلم والشراكة الوطنية. فالجدال حول رئيس الوزراء طبيعي يأخذ شكل بيزنطي لأنه ببساطة يدور في عملية سياسية تسبق فيها العربة الحصان، عملية تدور حول ترتيبات جديدة للسلطة لكن في ظل دولة غائبة وأي عملية سياسية تفرضها سطوة سلاح ميلشيا وليس سيطرة سلاح الدولة هي عملية محكومة بالفشل فضلاً عن انعدام شرعيتها، هذا أمر بديهي وليس له شواهد نجاح سابقة تاريخية أو معاصرة.
اللافت في هذا كله هو تبرير البعض لهذا الوضع بحجة إنها سلطة غير شرعية في عملية خلط واضحة بين الدولة والسلطة، فالدولة هي الكيان السياسي والسلطة هي النخبة الحاكمة والمتحكمة بمؤسسات هذا الكيان السياسي. الدولة اليمنية هي الكيان السياسي الذي أسسته ثورة سبتمبر لعام 1962م ورغم حالة تماهي العلاقة بين السلطة والدولة في العهد الطويل لحكم علي صالح الذي سيطر على كل مؤسسات الدولة وربطها بشخصه لكنها ظلت امتداد لثورة سبتمبر التي انقلب صالح على اهدافها لكنه لم يعارض قيام ثورة سبتمبر وكيانها السياسي بعكس حالة الحوثي.
الحوثي في معارضته للسلطة يختلف في منطلقاته عن ثورة 2011م التي كانت تعارض السلطة ضمن الدولة اليمنية التي أسستها ثورة سبتمبر بينما كانت تواجه مشكلة في الجنوب الذي كان يعاني من أزمة شرعية دولة وليس فقط سلطة، لأن شرعية الدولة التي أسستها الوحدة عام 1990م تداعت بسبب النتائج الكارثية لحرب 1994م، وكانت هناك حلول مطروحة كالحوار والفيدرالية وغيرها لمعالجة هذا الأمر.
حالة الحوثي مثل حالة الحراك الجنوبي الذي يدعو للجنوب العربي وهو انقلاب لثورتي سبتمبر وأكتوبر اللتان أسستا لمشروع الهوية الوطنية اليمنية ضمن مشروع الدولة اليمنية الحديثة والمستقلة، بعيداً عن إمامة لها منطلقات زيدية وسلالية ومشيخات وسلطنات ومستعمرة تؤسس للقبيلة والمنطقة وليس الهوية اليمنية. أي إنهما انتكاسة كبرى لمشروع الدولة اليمنية الحديثة والمستقلة كنتاج لانتكاساتنا السابقة وكونها نتيجة لا يعطيها شرعية ولا صحة وجود، لأن الوضع الخاطئ يمكن تصحيحه بفكرة سليمة مغايرة للمقدمات الخاطئة لأنها تستمد شرعيتها من سلامة توجهها وقدرته على خلق معطيات جديدة تناسب الجميع ، تستمد قوتها من صلاحية تحققها ووضوح فكرتها وهذا كله غير موجود في حالة الحوثي.
الحوثي يريد تسلط وليس سلطة وهذا وضع غريب جداً ، فهو يدعي شرعية ثورية وهو حالياً القوة المسلحة الأكبر داخل العاصمة صنعاء أي قادر على فرض سلطته الثورية كأي ثورة في العالم تسعي للحكم لخدمة أهدافها الثورية، لكن الحوثي بإعتباره نتيجة وامتداد خاطيء لوضع خاطيء، فهو يستلهم نموذج مراكز القوى في عهد صالح التي كانت تملك نفوذ وسطوة بدون مسؤولية، مثل علي محسن وحميد الأحمر وعبد المجيد الزنداني الذين لم تكن سطوتهم مستمدة من وجودهم بالسلطة ومناصبهم السياسية أو العسكرية لكن من أموال وتدخل خارجي وشبكة موالاة وسلاح من خارج سلطة الدولة. في حالة الحوثي الدولة قضي عليها تماماً ولم يتبق منها شيء يستر هذه اللعبة الرديئة لذا ظهر الوضع بهذا القدر من الفجاجة والإهانة لأعلى سلطة للدولة اليمنية وهو عبدربه منصور.
لا يريد الحوثي تحمل مسؤولية سلطة يعلم فشلها مسبقاً ويسعي لدور المتطهر الذي يكتسب شرعيته من ضعف شرعية الآخرين واشباحه الداعشية والتدخلات الأمريكية، لكن لماذا تنتظر هذه السلطة الفشل بهذا القدر من اليقين؟ لأنها ببساطة لا تعمل ضمن سلطة دولة ويصعب على أي أحد تحمل مسؤوليتها بما فيهم الحوثي الذي يسعي لبطولة جماهيرية رخيصة الكلفة وكثيرة المطامع.
تبرير آخر لقبول الوضع اللا معقول وهو أنه لا يوجد بديل عن هذه العملية وهذا كلام مفهوم لو هي عملية قابلة للتطبيق وهذا غير ممكن في حالة عملية سياسية تقوم تحت سطوة سلاح ميلشيا وليس تحت سلطة سلاح دولة؛ أي إنها محكومة بالفشل الحتمي. الحل ليس في التحايل على الأمر الواقع بحجة الواقعية بل توصيفه كما هو كخطوة أولى لمعالجته وطرح التساؤل الطبيعي هو كيف يمكن استعادة الدولة؟ هذا يعفينا من التساؤلات البيزنطية حول رئيس الوزراء وشكل الحكومة ونسب التمثيل والنتيجة في النهاية فشل مضاعف لأن الخطأ مضاف خطأ يعني خطأ مضاعف ولن ينتج عنه وضح صحيح أبداً.
استعادة الدولة لا يمكن أن يكون دون الخروج عن سطوة سلاح الميلشيا وفرض هيبة الدولة كخطوة أولى تسبق أي اتفاق وهذا لن يتم إلا برفض كل المكونات السياسية للمشاركة في المهزلة القادمة وحراك شعبي سلمي، وهذا حل ليس ناجز لكن العمل عليه لابد أن يبدأ من الآن وأول خطوة في ذلك هو رفض ما يتم طرحه من حلول سياسية تحت سطوة سلاح الميلشيا، خاصة إنه خيار محكوم بالفشل ولا يستحق التمسك به. لذا أول خطوة في الحل هو طرح أولوياتنا كما يفرضها تصورنا للحل الصحيح والقابل للنجاح والتطبيق وليس طرح حل تلفيقي يدخلنا في متاهات جديدة لا طائل منها.
ضعف شرعية السلطة لا يعطي شرعية للإنقلاب على الدولة ولا يمكن مساواة سلاح دولة في يد سلطة غير شرعية بسلاح ميلشيا خارج إطار الدولة، لا يستويان ولا يتفقان شرعية ونتائجاً. الأول مثل الانقلابات العسكرية التي تفرض نفسها بالقوة تعني ضعف شرعية سلطة ضمن الدولة بينما الثاني يعني انقلاب على الدولة ويعني سقوط الدولة ولا يضفي هذا شرعية على سلاح الميلشيا، الأولى نتائجها استبداد وفساد والثانية نتيجتها حرب أهلية وتمزق.
طبيعي أن يبدأ تطبيق أول بند في اتفاقية السلم والشراكة في جدال بيزنطي حول رئيس الوزراء في تخبط واضح وهذا سيكون مصير كل بند في الاتفاق لأنه ببساطة اتفاق فرضته سلاح ميلشيا وليس سلاح دولة، كنتاج طبيعي للخلط المتعمد أو المتخبط بين السلطة والدولة، ونتيجة لطرح حلول تضع العربة قبل الحصان لأنها حلول تسعي لمعالجة مشكلة شرعية السلطة وغياب الحكومة وليس معالجة مشكلة غياب الدولة وسقوطها، والسلطة لا يمكنها العمل أو القيام بدون وجود دولة.

الأربعاء، 1 أكتوبر 2014

جماهير ثورية أم مستنسخة؟



يجمع الحوثيون بين الحسنيين في اتهاماتهم وهي" الداعشية التكفيرية" هذا لمن يهمه الدين، و تهمة"
ميساء شجاع الدين
البرجوازية" كتثقيف يساري لبعض الطارئين على الجماعة الدينية التي عجزت عن تطوير خطابها الديني والوطني فاستعاضت عنه بخطاب يساري شديد التشوه ولا يمتلك سوى مصطلحات رنانة.
من المثير للسخرية فعلاً أن نقرر جماعة دينية تبني خطاب أيديولوجي يخالف جذرياً أصول هذه الجماعة وهي الطبيعة الدينية. للجماعات الدينية منطلقات مختلفة كلياً فهي تتعامل مع العمل السياسي بمنطق المقدس وعادة لها زعامات دينية وتكوينها يحتم فرضية الطاعة، واضافة لاستمدادها الشرعية من النص المقدس فهي تستمده أيضاً من الماضي وقراءتها الخاصة له. أما اليسار فهو أيديولوجية علمانية حديثة،لها جذور اشتراكية طوباوية قبل ذلك ،لكن أصول نظريتها تعود للقرن التاسع عشر، حينما شهدت أوروبا الثورة الصناعية وتوسعت المدن وقامت على أساس فكرة الصراع الطبقي الذي فرضته الثورة الصناعية آنذاك.
بالطبع لا يمكن لعبدالملك الحوثي أن يهتف لأنصاره ويدعوهم بالبروليتاريا فهذا يناقض حقيقة إنهم أنصار الله، البروليتاري كجماعة طبقية لها مصالحها المتضاربة مع البرجوازية تبدو فكرة مناقضة تماماً لأنصار الله ومعاركهم الإلهية ضد من يدعونهم دواعش. يكفي الحوثيون إنهم ممثلين لله والشرعية الحق كما تفترض الجماعات الدينية، فلماذا الإصرار على هذه الشعارات؟
يسعي الحوثيون ضمن رطانتهم الثورية تصوير إن ما يجريعلى أنها ثورة للفقراء والكادحين ضد الفساد وهو إصلاحي في غالب الأمر وليس مؤتمري، أي فساد انتقائي حسب ما تقتضي تحالفاتهم السياسية. انتقاء الإصلاح هو تعزيز للطابع الديني للصراع وليس الطبقي كما تدعي " اليسارية الحوثية"! فلماذا يتم استثناء فاسدي حزب المؤتمر وعلى رأسهم علي عبدالله صالح؟
وجود طبقة فاسدة وانتهازية على رأس الدولة اليمنية لا يعني بالضرورة وجود صراع طبقي في مجتمع تقليدي لم تؤثر فيه انماط التحديث المتشوهة التي يمر بها، وليس هناك فواصل قطعية حادة وواضحة بين الطبقات الاقتصادية حيث لا يزال يغلب على المجتمع اليمني الانقسامات القبلية والمناطقية، وربما الدينية بعد ما غابت حتى الإنقسامات الإيديولوجية والحزبية ليحل محلها الدين وهذا يتضح من سر اصرار جماعة الحوثي وسيدها عبدالملك للإشارة لحزب الإصلاح في كل شاردة و واردة رغم إن اليمن حكمها علي عبد الله صالح وحزبه المؤتمر لذي يتغلغل فيه الفساد ولا يكتفي ببضعة مراكز وشخصيات كالإصلاح.
إضفاء شرعية ثورية طبقية متهافتة على الحدث هو مخرج كتيبة الصحفيين والممثقفين المتحوثين، ولأن محاولة إضفاء طابع ثوري على تحركات الحوثي العسكرية يوقعهم في تناقض جلي لذا يحاولون حشر بعض المصطلحات اليسارية للحدث، وله علاقة أيضاً بتجاهل طبيعة الوضع اليمني الذي يستعصي عن التفسير التقليدي من حديث عن الصراع القبلي والسلطة والخ أو التفسير الماركسي المستعار. مافعله الحوثي ويفعله له عدة تفسيرات تاريخية وسياسية واجتماعية، فيما يراه الكثيرون غزو قبلي همجي لمدينة صنعاء. هذه طبعاً ليست المرة الأولى في التاريخ التي تدخل صنعاء القبائل لنهبها وكان آخرها عام 1948م وهو أمر مرتبط بالتاريخ الإمامي إلى حد كبير .
صنعاء هي الحاضرة الأكبر في اليمن الذي تقطن غالبيته الريف بنسبة تصل إلى 70% وهي نسبة كبيرة تعيق أي عملية تحديث وتنسف كل النظريات الحديثة والمعاصرة في تفسير الوضع اليمني. وغالبية من يسكنون الحضر هم سكان العاصمة صنعاء أكبر حواضر اليمن وأكثرها تنوع على الإطلاق، أي إن صنعاء في العشرين سنة الماضية وبعد تراجع عدن وتعز تعرضت لعملية تغير واسعة وديناميكية بين أفراد مجتمع يتشكل متجاوزاً البنى التقليدية من قبيلة أومنطقةأوأسر كبيرة، يتبدى هذا بوضوح في علاقات النسب والزواج التي تحدث داخل مجتمع مدينة صنعاء الذي لا تحكمه منظومة قيم واحدة بسبب التباين الشديد في خلفيات سكانها لكنها كانت في طور التشكل وتشكلت فيها بالفعل نواة لمجتمع مدني ظهر من خلال المظاهرات والاحتجاجات السلمية التي شهدتها المدينة السنوات الماضية وكان أبرزها عندما شهدت تحرك عام 2011م المنطلق من ساحة الجامعة وهذا أمر له دلالة رمزية مهمة.
بعكس ما جري عام 2011م جاء تحرك الحوثي الشعبي من خارج صنعاء بمحطيها القبلي، في أكبر عملية اكتساح قبلي - ريفي لأكبر حواضر اليمن. هي مجاميع قبلية من مناطق محرومة من التنمية وربما قلة يعرفون إن صعده التي كانت خارج الدولة اليمنية حتى تعين أول محافظ لصعده عام 1980م. بالتأكيد ليس ذنب هؤلاء إنهم يعيشون في مناطق بلا تحديث ولا تنمية تعاني الجهل والفقر.
المجتمع اليمني لديه قابلية عالية للتغيير والتحديث وما جرى ستينات القرن الماضي دليل دامغ على هذا، فاليمن التي كانت مثل بقية الجزيرة العربية التي لم تتعرض لاستعمار تعيش حالة تخلف شديدة لكنها نجحت من خلال المهاجرين و وجود نافذة صغيرة للعالم كعدن وابتعاث مجموعة شباب للخارج وانتشار محدود للراديو أن تقوم بقفزة هائلة للأمام وتنطلق فيها بثورتي سبتمبر وأكتوبر.
معظم اليمن الذي كان يقع خارج القرن العشرين وسيلة مواصلاته الأساسية الحمير والبغال ،انتقل في غضون عشرين عاماً خاصة حواضره الكبيرة إلى نمط حياة مختلفة. اللافت في هذا التحول إنه شهد في سنوات قليلة ومضطربة انتعاش فني وأدبي وخرجت المرأة بكثافة للمشاركة في كل مجال. لم تشهد اليمن كمعظم الدول العربية عندما بدأ تحديثها جدل حول تعليم المرأة مثلاً، اليمن الجنوبي كان فيه أكثر قوانين الأسرة انفتاحاً في العالم العربي بينما كانت هناك سينما في اليمن الشمالي ،صنعاء وتعز والحديدة والترب ،حتى بدأ المد الوهابي مدعوماً من السلطة في الثمانينات .
ثورتي سبتمبر واكتوبر كانت ثورات شعبية من الطراز الأول لشعب معظمه يسكن مناطق ريفية وقبلية لكن الفارق هنا يتجلى في طبيعة التحرك وقيادته، التحرك له بعد وطني يفترض التنوع، والقيادة متعددة الشخصيات ومتنوعة الايديولوجيات. التنوع لا تفرضه الكثرة، فالكثرة هي عدد لكن التنوع في الجماهير هو تمثيلها لخلفيات متباينة ( مناطقية- سياسية) بينما الحوثي كان له آلاف الأنصار كلهم من ذات الخلفية منطقة وطائفة وتشكيل سياسي، أي إنها جماهير مقولبة طائفيا .
الفارق بين الجماهير الكادحة عندما تكون ملهمة هو توحدها حول فكرة وطنية واحدة لايشوبها التناقض كما يجري لدي الحوثي الذي يحتفظ بنصف الفاسدين ويخطب لأنصاره خطاب ديني بينما يهاجم خصومه على الصحف بخطاب يساري. هذه حركة جماهيرية يتم تحريكها بمنطق ديماغوجوي أي منطق تغلب عليه الشعارات ويحرك الغرائز ومعظم هذه التحركات الجماهيرية قد يقودها أناس يحتقرون الجماهير ذاتها مثل موسوليني. هم ينظرون للجماهير بإعتبارها كائن غير عاقل تحركه الإنفعالات وهذا صحيح لحد كبير، لذا التحرك الجماهيري تحكمه عدة عوامل فهو قد يحمل معه الفوضى وقد يحمل معه الثورة، قد يحمل تغيير لأفضل وقد يحمل نكسة.
يصعب إدانة كل التحركات الجماهيرية وإلا لما شهدنا أي عملية تغيير ثوري في مناطق متعددة بأوروبا وأمريكا اللاتينية لكن حتى الحركات العنصرية التي يدينها التاريخ وتخالف القيم الإنسانية قادرة على تحريك الشارع وتتبعها جماهير هائلة مثل الفاشية بإيطاليا والنازية بألمانيا وحتى الآن الأحزاب العنصرية المعادية للهجرة في أوروبا تملك قدرة جيدة على الحشد سواء على مستوى الشارع أو الانتخابات. لذا يجب الحذر من فكرة التقييم على أساس العدد، وإن كان العدد الكبير للخروج الجماهيري رسالة مهمة تستحق الدراسة، فخروج هذه الجماهير وراء الحوثي من مناطق نائية محرومة من الخدمات رسالة مهمة لسكان العاصمة اللا مبالين يما يجري خارج عاصمتهم.
الجماهير لا تخرج بطره بل تحركها مخاوفها أو تطلعاتها، غرائزها أو أحلامها لكن ليس وعيها بالغالب خاصة في بلد تنتشر فيه الإمية والتعليم الهزلي مثل اليمن. خروج الجماهير ضمن اطار وطني واسع من داخل مركز حضري ضمن قيادات متنوعة وحركات سياسية مختلف أمر يناقض كلياً خروج جماهير من داخل الريف أو المناطق القبلية بلا اطار وطني واضح ولا تنوع سياسي أو قيادي لكي تفرض نفسها بقوة السلاح على المركز الحضري الذي يفترض إن يسكنه المجتمع الأكثر ارتباطاً بعملية تحديث الدولة اليمنية وطابعها الوطني. شيء مشابه قام به الإخوان في مصر عندما تحركوا بعد الانقلاب العسكري، كثافة جماهيرية بدون تنوع وتحت إمرة شخص واحد، وقابل القاهريون هذه الجماهير بذات السخرية والإستعلاء على ريفيتها.
لا ينبغي إدانة الحوثي من منطلق إن الجماهير التي تتبعه مشعثة مغبرة لا تفقه شيء لأن هؤلاء ابناء المجتمع اليمني الذي تحمل عبء الظلم الأكبر من عهد صالح، بينما تواطأت الأحزاب التقليدية في صمتهم على نظام كهذا لمدة ثلاث عقود، وهي القوى التي كان يفترض أن تتحمل مسؤولية المبادرة للتغيير والإصلاح. الحوثي مدان لأنه يستغل فاقة هذه الجماهير وجهله بدليل إنه يكافؤها باستباحة صنعاء وتركها تنهب، أي أن قيادة الحوثي نفسها تتعامل مع هذه الجماهير باحتقار وعلى أنها غوغاء جاءت للنهب كما كان يرى صالح الشعب اليمني كهمج لا يفقهون شيئاً. هكذا قيادة تستغل الغرائز والمخاوف مثل الحرب على الإرهاب أو الدواعش، استثارة نعرات قبلية ومناطقية لكنها لا تقدم مشروعا وطنيا فهذا مخالف لنظرتهم لهذه الجماهير التي لا ينتظرون منها خيراً.
التحرك الذي جاء من خارج صنعاء الأيام الماضية كان يحمل معه تحيزات تاريخية ودينية وقبلية مرهقة للمجتمع اليمني وتهدد أكبر حواضر اليمن بعملية ترييف واسعة تفوق تلك المظاهر القبلية والعسكرية التي كانت تعاني منها صنعاء وتقلل من فاعليتها كمدينة كبيرة، تستطيع رفع المناطق الريفية والقبلية التي تحيطها والسكان القادمين لها من كل اتجاه بما فيها الريف لنقلهم لحالة سكان الحضر بكل ماتعنيه كلمة حضرمن مفاهيم وقيم يحتاجها اليمن ودولته التي لازالت تتعثر في طريق التحديث الطويلة الذي ينتظرها.