الاثنين، 3 مارس 2014

تذكير بحقارة ثورية


النقيب طيار/ محمود العرمزة

النقيب طيار محمود العرمزة، قائد الطائرة التي هبطت إضطراريا بالأمس، سبق ان نجا من تحطم طائرة أخرى قتل فيها مساعده الملازم أول عبدالعزيز الشامي، (هل تتذكرون هذا الإسم)، وثمانية آخرين أجانب..
وفقاً لطيارين فالعرمزة من أفضل الطيارين المحترفين في لواء الرابع النقل وهو محترف يجيد الطيران الليلي باحترافية..
سأروي لكم قصة لا أخلاقية معيبة وعار على الثورة ويجب الاعتذار عنها، من جميع من صفقوا لها، أو تماهوا معها.. ذات يوم.. وإن وجدت أخلاق فمن جميع من حسبوا انفسهم ذات يوم على تلك الثورة.
هل تتذكرون الطائرة التي تحطمت فجر الثلاثاء المشؤوم 25 أكتوبر 2011، قرب قاعدة العند، وقتل فيها ثمانية طيارين مدربين سوريين..
تحطم، أولاً لأن الخلل الفني وارد، والطائرات متهالكة، وخارج الجاهزية.. هذا احتمال..
وصل المدربون السوريون مساء، واستثقل قائد الجوية السابق محمد صالح الأحمر مبيتهم لليلة في صنعاء، استثقل دفع تكلفة مبيتهم لليلة وكأننا نعيش ازهى عصور التقشف والحرص..
حرك لهم طائرة مساء لنقلهم إلى العند، وحصل أن واجهت الطائرة ظروفاً جوية صعبة.. والتحقيق برمته في علم الغيب.. كان يضيع في دهاليز محمد صالح الأحمر، كما يضيع في كواليس ربيبه وتلميذه راشد الجند.. لا فرق.
هل تتذكرون التوجيه الرخيص والقبيح والقذر عديم القيم لقيادة من وصفوا أنفسهم يوماً بأنصار الثورة إذ وجهوا اعلامهم لتبني رواية مفادها أن الطيار عبدالعزيز الشامي نفذ عملية انتحارية بالطائرة، لقتل من كانوا يسمونهم بشبيحة بشار الأسد الذين استدعاهم الرئيس السابق علي صالح لقصف مناطق الثوار بعد مزاعم عن رفض الطيارين اليمنيين قصف مواقع الثوار.
هؤلاء السوريين لم يكونوا فعلاً سوى طيارين مدربين يدربون إخواننا الطيارين الذين "رفضوا قصف مواقع الثوار" حسب زعمكم..
هؤلاء كانوا يدربون الشباب اليمنيين من خريجي كلية الطيران في اللواء 39 تدريبي بالعند، أو ما كان يعرف بالجناح التدريبي، وكانوا يعملون على تخريج طيارين أكفاء محترفين، يتجاوزون مثل كوارث الأمس..
ثم يأتي الإعلام الرخيص ليوظف الخبر بطريقة لا انسانية بشعة، ويقول ان الطيار نفذ عملية انتحارية وان المدربين جاؤوا لقتل اليمنيين..
ماذا لو كنت احد اقارب هؤلاء الطيارين، وانت تعرف طبيعة مهمتهم، كيف ستنظر إلى "ثوار اليمن"..
كيف ينظر لكم الطيارون الذين تدربوا على يد أولئك السوريين، كيف ينظر لكم طلابهم الذين كانوا بانتظارهم والذين لا زال بعضهم في اللواء التدريبي دون تخرج، حتى الآن، لعدم كفاية المدربين اليمنيين وضعف بعضهم.. كيف تتحدث عن طيار كان ينفذ مهمة عمل، ويدرك تماماً طبيعة عمل هؤلاء الناس، وتصفه بالانتحاري.. وماذا عن زميله محمود العرمزة الذي أنقذ طائرة الأمس، وهو كان قائد الطائرة التي تحطمت في العند.
عني شخصياً فأنا اعتذر لجميع الشهداء الذين سقطوا في تلك الطائرة والجرحى، وأشرهم وزملائهم عن كل تلك الصفاقة والوقاحة، ففي أقل الأحوال ربما كنت أكثر ميلاً لتصديقها والانسياق وراءها، باعتبارها جاءت من بين من كنا نعتبرها يوما أحد أذرع الثورة..
الثورة التي لم يكن ينقصها انحدار قيمي وأخلاقي وكذب ودجل بشع كذاك، لتنتصر لأمرها..
كانت مثل تلك الكذبات المهينة هي اهم أسباب اخفاقها وخروجها بحصيلتها الخجولة التي انتهت إليها..
حقارة المتلفعين برداء الثورة في هذه القضية كانت أكثر قبحاً وقذارة من حقارة من قامت ضدهم الثورة..
بكل أسف..

السبت، 1 مارس 2014

العصا الغليظة..!!



لم يكن قرار مجلس الأمن الدولي الأخير بشأن تشكيل لجنة عقوبات ضد معرقلي العملية السياسية القائمة في البلاد مفاجئاً لليمنيين؛ ربما كان كذلك لأنه جاء دون سقف توقُّعاتهم لقائمة المرشحين لمقصلة العقوبات منذ عام 2011م.
القرار جاء متأخراً بعامين لحماية اليمنيين من أنفسهم؛ إذ أن نافذي البلاد وبعض مسؤوليها الانتهازيين وأمراء الحرب وقادة الميليشيات ليسوا مؤتمنين على وطنهم، بل على أرواح مواطنيهم، لم يفكّروا يوماً بدولة تحمي الجميع وتحفظ حقوقهم وتراعي مصالحهم، ثم يضجّون الدنيا باستجرار السيادة والنواح عليها إذاً بدت مؤشرات المساس بمصالحهم.
من يحملون القشّ فوق رؤوسهم، وفي طليعتهم رجالات ورموز النظام السابق، يفهمون جيداً مصطلح «العصا الغليظة» فلطالما تحدّثوا عنها في عهدهم وقدّموا تنازلات لتفاديها والبقاء في الحكم؛ لكنهم اليوم يتباكون على السيادة التي أهدروها منذ عقود بالحروب والمغامرات والمراهقات.
استدعوا دول الخليج والأمم المتحدة هرباً من انتفاضة 2011م، مثلما استدعوا سابقاً تدخُّل قطر وليبيا للتوسط لإنهاء الحروب مع جماعة الحوثي؛ ثم عادوا لاتهامهما بدعمهم، مثلما أباحوا البلاد للطائرات دون طيار منذ عام 2002م حين كانت المعضلة في إطار الاحتواء الممكن، وعادوا الآن ليتباكوا على السيادة في ظل تركتهم القاصمة، مثلما استجدوا تدخُّل إيران للدخول في حلبة الصراع بكثرة اتهامها دون دليل.
عامان كانا كافيين لاسترجاع عقول من فقدوها، لكنهم زادوا تطاولاً في مراهقاتهم ومغامراتهم حتى غدت تهدّد العالم، ونحن بلا شك أولى بالحرص على بلدنا؛ إذ صار منبعاً وعمقاً لذلك التهديد، لكننا جُبِلنا على السخط واستجداء المثالية في بلد بات على شفير الهاوية.
وهنا فإن الأولوية المطلقة لاستدعاء كل أدوات الضغط المتاحة لإنقاذ الدولة والمواطن من أفاعيل العصابات والقتلة والمرتزقة، المتغوّلين في مفاصل البلاد قتلاً وسلباً وهتكاً لما تبقّى من شكل الدولة قبل غيرها من يريدون سيادة الغاب.
لطالما انتُقد مجلس الأمن وشُتِم مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر بعد كل تقرير يقدّمه إلى المجلس؛ إذ لا يتضمّن إشارة إلى أسماء المعرقلين والمعطلين للعملية السياسية، ولا يفرض عقوبات بحقهم، أما وقد جاء القرار متأخراً بعامين وأكثر على بدء مراقبة الحالة في اليمن، فهذا يعني أن المجلس بات مقتنعاً أنه منح اليمنيين نظاماً وأفراداً وجماعات وميليشيات فرصة ودعماً كبيراً لانتشال دولتهم من منحدر الانهيار، وللعمل معاً لسد الفراغ الذي خلّفوه في إدارتها وعلاقتهم بها.
انتهى الحوار، رغم المآخذ والملاحظات على مخرجاته، وكان مفترضاً أن يدشّن مرحلة جديدة لبناء الدولة بتعاون كافة الأطراف، لكن تجار الحروب وأمراءها وبعض الأطراف السياسية الأخرى استمرأت ضعف الدولة المثقلة بعقود من الفساد والاستبداد وحكم الأفراد وغياب دولة المؤسسات ومعها الكفاءة والفعالية؛ استمرأت القوة والسلاح والعصبيات المقيتة.
تراكمت المقامرات ولم يعد ممكناً أمام المجتمع الدولي أن يترك البلد ينفلت أمام عينيه لتحكمه الميليشيات وأمراء الحروب ويصبح مصدر تهديد للأمن والسلم الدوليين، والذي لن يكون كذلك إلا بعد أن يصبح بلداً غير مهيّأ لعيش أبنائه.
النظام السياسي برمته هو الآخر معني بتنفيذ القرار؛ ولن يكون في مأمن من تبعاته إذا ما أخفق في تنفيذ الالتزامات ووضع لبنات بناء دولة محترمة تكون ضامناً لأمن اليمن أولاً والعالم ثانياً، وقد تم الإشارة إليه على خلفية أحداث العنف في الضالع.
مجلس الأمن لا يمزح، وثمة أطراف انتهازية تتبادل الأدوار، وينبغي ألا تكون اليمن مسرحاً تتقاطع فيه مصالحها كما هو الحال في سوريا، لدينا أساس نبني عليه، وعلى الجميع أن يعي خطورة المرحلة ويستثمر العامل الدولي لبناء الدولة، وسحب عامل الخطورة على أبناء الوطن، فهم أولى بالأمن والاستقرار.
أصحاب القرار السياسي أو مراكز القوى التقليدية والحديثة والملحقون بهم من جنرالات وشخصيات سياسية ودينية وأحزاب بأجنحة مسلّحة وميليشيات بأذرع سياسية معنيون بتغيير نهجهم، والتخفّف من نهج وسلوك وأطراف العنف خلال المرحلة المقبلة، وإنقاذ أنفسهم واليمن باستثمار الفرصة والحرص على المسؤولية والتنفيذ النزيه والمسؤول لهذا القرار لمصلحة البلاد التي تتحقّق في إطارها مصالحهم أيضاً.
القرار يتيح فرصة كبيرة لتصحيح المسار؛ إذ سيراقب الفترة القادمة، ويرصد المراهقين والمعطّلين فيها، ثمة فرصة كبيرة لإثبات حسن النوايا، عوضاً عن النواح وتضليل الناس والرأي العام بوضع اليمن تحت الوصاية الدولية، وعلى الجميع أن يتعاملوا بحسن نوايا معها؛ إذ أن تضييعها سيكلّف البلاد كثيراً.
أما وقد أصبح القرار أمراً واقعاً، فبإمكان أصحاب القشّ على الرؤوس تفويت الفرصة.. عليهم التخفُّف قليلاً من بعض أنانيتهم وفهلوتهم ووحشيتهم وسعيهم الحثيث إلى بناء دويلاتهم الخاصة على حساب الوطن، سيكون بإمكانهم ألا يخسروا أنفسهم ومصالحهم، ومعها يكسبون وطناً ودولة يعيش في ظلّها الجميع.
saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 01 مارس - آذار 2014
http://www.algomhoriah.net/articles.php?lng=arabic&aid=45526

الأربعاء، 26 فبراير 2014

منتصف اغسطس الماضي تحطمت طائرة ميج جراء التطامها بطير.. فكيف لو ارتطمت بـ"حمار"..




هذه الصورة، المرفقة بخبر نشرته صحيفة المصدر، تختصر واقع الحال في القوات الجوية اليمنية، طبعاً ليس منذ اللحظة، بل منذ عقد على الأقل.
الخبر في المصدر..
أهم ما وصلني تفاعلاً مع هذا الموضوع ما يلي:
في 14/08/2013، يعني قبل اربعة أشهر فقط، خرجت ) عن الجاهزية طائرة ميج 21 رقم 2223 (رقم جانبي وليس مصنعي طبعاً، يعني بعد رقمين من هذه الساكنة جوار الحمير)..
والسبب؟؟
لأن طيراً "التطم" (هكذا قرأها المصدر "التطام" وليس ارتطام) بمقدمة الطائرة بعد الاقلاع مباشرة، مما أدى إلى انعطاف مقدمة الطائرة (مخل الهواء)، ووضعها الحالي (قيد الترميم)..
واذا كانت مقدمة الطائرة قد تحطمت جراء التطامها بطير، يُكافَح في كل مطارات العالم، حفاظاً على سلامة الطائرات والطيارين والمدنيين، فكيف سيكون الحال لو التطمت طائرة عسكرية، بصعب (الصعب هو اسم للحمار بالعامية)..
وكيف لو كان هذا الصعب "إكديش"*؟؟
هذا ليس تجنياً وليس سراً عسكرياً، بل معلومة مؤكدة أبلغني بها أمس مسؤول رفيع جداً، في القوات الجوية اليمنية، تحفظ على ذكر اسمه لأنه جبان (وذلك ما قبل أضعف الايمان)، ويريد تحميلها على عاتق الفيسبوك (سامي نعمان).
المعلومة مستقاة من واقع التقارير المرفوعة شهرياً من قيادة العند..
الرجل تفاعل مع الخبر المخزي عن الحمير في صحيفة المصدر، معرباً عن اسفه لعدم حدوث قطيعة مع العهد السابق، سوى ادعاءً، واستمرار الفوضى والعبث أكثر مما كان عليه..
هو يتفق معي بأن الصورة هي من تختصر حال القوات الجوية المتردي..
الرجل اتصل بي، ظناً أن كل ما ينشر عن القوات الجوية متعلق بي، وهذا خطأ..
ما ينبغي ان يدركه الجميع أن القضية وطنية بحتة، تهم الجميع، دون استثناء حتى راعي الغنم في القرية، لأنها تجتزئ ميزانية مهولة على حساب قوت أولاده، فضلاً عن كونها مرشحة للسقوط فوق رأسه أو رأسي أو رأسك إذا ما استمر التسيب والانفلات والعبث دون كبح جماحه..
قطعاً ليست معركة شخصية وهذا اكثر ما يدركه جميع المعنيين..
هذا مالنا.. وهذا حقنا..
ليس ملكاً لرئيس ولا لوزير الدفاع، ولا لقائد الجوية، ولا لرئيس الأركان، ولا لقائد العند..
هذا حقي وحقك، مهما بدا بعيد المنال..
ولن نسكت على اهداره والعبث به..
===================
* إكديش تعني صعب شباب مراهق شاعف في طور الترويض
ملاحظة: نرفض اي ردة فعل عدوانية تجاه الحمير، أو غيرها من الحيوانات الأليفة.. فقط يتوجب منعها من الدخول

السبت، 22 فبراير 2014

غياب حساسية الوقت إهدار لفرص التنمية


مضى عام تقريباً على انطلاق مسيرة الحوار الوطني، وشهر على اختتامها الذي تأخر نصف تلك المدة، ويبدو أننا سنستغرق وقتاً إضافياً في تمجيد وثناء المنجز، دونما حساسية كافية لعامل الوقت الذي يتسرب على البلاد، في وقت هي في أمس الحاجة لاستثمار كل لحظة لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية المتردية يوماً عن سابقه.
البلاد بحاجة إلى طاقة جبارة لانتشالها من الوضع المتأزم والخطير الذي تمر به، وجهود مخلصة ومكثفة لتحقيق حالة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأمني، وبدونه لا يمكن أن تكون هناك تنمية أو ازدهار في البلاد أو تغيير في حياة الناس، ومسيرة ما بعد الحوار تمشي الهوينى كأننا بتلك الوثيقة انتقلنا إلى مصاف الدول الاسكندنافية.
أواخر عام 2009، تحدث وزير الشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي بن عبد الله، وهو من أكثر الوزراء العرب حصافة وكياسة دبلوماسية، وقدم نصائح شديدة التركيز والحساسية، كانت جديرة بأن يأخذ بها النظام السابق –والحالي أيضاً- عوضاً عن أن تأخذه العزة بالإثم ويحتج على النصيحة الأمينة القيمة للوزير العماني.
بن علوي أبدى قلقه على اليمن، ليس لجهة التشرذم كما أوضح، في مقابلته مع جريدة الحياة اللندنية، بل لأن المشكلات التي تواجهه لن توفر لليمنيين الوقت الثمين الذي ينبغي أن يستغلوه لبناء الاقتصاد وإيجاد الطبقة الوسطى التي هي عماد الاستقرار.. وإذ شدّد على أن دول الخليج لن تتأخر عن دعم اليمن، قال إن على اليمنيين أن يساعدوا أنفسهم، وعلى قادتهم التعاون لبناء بلدهم.
هو الوقت الذي تخسر البلاد كثيراً بمضيه دون التقدم خطوة نحو بناء البلد، لا بل دون تنفيذ الالتزامات، ودون أن يدخل ذلك ضمن حسابات الأطراف المتصارعة، التي استغرب بن علوي حينها كيف أنها تتغنى بالسياسة وتتعارك حولها، وهي ذاتها، وأطراف أخرى صاعدة، لا زالت تتعارك حتى اليوم وكل منها يدعي احتكار تمثيل الشعب، وانفراده بالمساعي المخلصة لبناء دولة مدنية.
إطالة أمد الأزمات ليس في مصلحة أحد، ومخطئ من يظن ذلك، وينبغي أن تركز الجهود بمسؤولية وإخلاص، للشروع فوراً في اتخاذ معالجات مدروسة للأزمات المستفحلة بالتوازي، لا أن يتم التركيز على إحداها وتجاهل الأخرى، فالأوضاع لا يمكن أن تستقر والتغيير لا يمكن أن يتحقق بغير التكامل.
صبر اليمنيون كثيراً على دولتهم ونخبهم السياسية، ولا ينبغي أن يكافأوا على ذلك بالزج بهم في أتون مزيد من البؤس والمعاناة، حتى وصل الحال ببعضهم، وقد طال بهم أمد انتظار الوفاء بوعود التغيير، حد تمني العودة إلى الوضع الذي انتفضوا ضد مدبريه.
من حق هؤلاء الناس أن يشعروا بالأمان في وطنهم، والاطمئنان على مستقبل أبنائهم، وأن يلمسوا إرادة جادة مركزة على تحقيق مصالحهم، لا أن يمضي الوقت، ويكون جل ما وصلت إليه البلاد مزيداً من النصوص والوثائق، يتبعها تعثر في التنفيذ تبعاً لتعقد حسابات الأطراف السياسية، في موازاة تعقيد مضاعف على الأزمات القائمة، قد تقتضي بعضها جولات حوار أخرى لاستيعاب متغيراتها.
تهدر النخب اليمنية فرصاً ثمينة مواتية لبناء الدولة، ويتسرب الوقت من بين أيديهم دونما اكتراث بتحقيق التغيير الذي حلم به الناس، وكل يوم يمر، دون التقدم خطوة يعيد البلاد خطوات إلى الوراء، ويزيد من تفاقم وتعقيد المشاكل، ليصبح وضع اليوم هو أمل الغد الآخذ مساره نحو مزيد من التردي والعثرات.
تراجع أحلام الناس وطموحاتهم ليس في مصلحة أحد، وحين يصل هؤلاء إلى مرحلة اليأس من تحقيق تطلعاتهم التي ينخفض سقفها يوماً عن سابقه، ليبلغوا نقطة الانحدار التي يشعرون معها أن لا مصلحة لديهم يخافون عليها، فسيلجأون إلى جماعات العنف المزدهرة تذمراً من الواقع الذي وصلوا إليه، وعندها سيفقدون جميعهم وطناً، وستتضاءل حظوظهم في بناء الدولة، وكثير من نماذج الدول الفاشلة ماثلة، لكن السياسيون يستحضرونها دون أخذ العبرة، وتجنيب البلاد السياسات الكارثية التي تقود البلاد لمآلاتها المرعبة التي لن يقتصر ضررها على الجيل الحالي فحسب، بل ربما تطال تبعاتها الوخيمة أجيالاً متعاقبة.

saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 22 فبراير - شباط 2014

الخميس، 20 فبراير 2014

ولد الشيخ أحمد.. المسؤولية حين لا تكون اسقاطاً للواجب.




ظفرت به ليبيا.. وخسرته اليمن، وعِوضُها الخير في سلفه، وقليل من فيهم الخير والالتزام.. يغادر غداً أو بعده، دون أن يحظى ببعض ما يستحقه من تقدير الجميل..
هو الموريتاني الجميل، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي يغادر اليمن، بعد ثلاث سنوات عمل فيها منسقاً مقيماً للأمم المتحدة، ومنسقاً للشؤون الإنسانية وممثلاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي المقيم في اليمن، وحضر كأحد أهم الدبلوماسيين الذين عملوا لأجل هذا البلد خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخه، عمل بإخلاص أكثر من كثير من أبنائه.
ولد الشيخ أحمد من الشخصيات الدبلوماسية الراقية والمحترمة، ذات الخبرة العميقة والمحترمة.. يغادر اليمن، وقلبه معلق فيها، لم الرجل يدخر جهداً يمكنه القيام به لصالح اليمن، خصوصاً إذا كان متعلقاً بالشؤون التنموية والإنسانية، وكان أشد حرصاً على دعم ومساندة اليمن، بل وكان يحث الفاعلين الدوليين على ذلك، بكل ما يتسطيع.. لحسن حظ البلاد، كان الرجل يسد بايجابية- فجوة كبيرة يتركها كثير من المعنيين بها مباشرة من أبناء البلاد.
لطالما خاض الرجل نقاشات واسعة مع مسؤولي المنظمات الدولية، لاقناعهم بضرورة التريث في الاجراءات الاحترازية، وتقدير مستويات الخطر، التي تضعف المعنويات في الداخل والخارج، واعادة تقييم الأوضاع في اليمن بصورة أكثر ايجابية، كجزء من المسؤولية الدولية لمساعدة هذا البلد على النهوض..
كان يفلح في مساعيه أحياناً.. وأحياناً أخرى تخذله الوقائع على الأرض.. للأسف.
ثلاث سنوات قصيرة (2012-2014) أمضاها الرجل في اليمن، حضر فيها بايجابية، ولم يعرف عنه سوى النشاط الايجابي لصالح البلاد، يعمل بهدوء وصمت وتواضع، بعيداً عن الانتهازية والاستعراض، وتفعل فيها دور الأمم المتحدة في البلاد، ليس على مستوى التسوية السياسية التي تطغى على الاهتمام، بل في الجوانب التنموية، وأكثر منها أهمية الجوانب الانسانية..
ولْد الشيخ أحمد حاصل على الماجستير في تنمية الموارد البشرية من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة، ودرجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة مونبلييه بفرنسا، وشهادة متقدمة في الاقتصاد وتحليل السياسات الاجتماعية من جامعة ماستريخت بهولندا.
ولولد الشيخ أحمد باع طويل وخبرة واسعة، في التنمية والمساعدة الانسانية، إذ عمل في هذه المجالات لأكثر من 27 عاما في الأمم المتحدة، في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا الشرقية، فخلال الفترة من 2008-2012 عمل منسقاً للشؤون الإنسانية وممثلاً لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي المقيم في سوريا (2008-2012) واليمن ( 2012-2014 ).
وشغل أيضا عدة مناصب في صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، بما في ذلك منصب مدير إدارة التغيير في نيويورك، ونائب المدير الإقليمي لشرق وجنوب أفريقيا في نيروبي، والممثل في جورجيا..
آثرت أن اكتب عن الرجل، وهو يغادر بوقار كما عمل بصمت، لكن بتأثير ايجابي، تقديراً لجهوده الثرية التي حملها على عاتقه لأجل هذا البلاد..
هي كلمة انصاف للرجل، الذي يغادر دون ان يحظى بحقه من التكريم الذي يستحقه بجدارة..
كما يحب الخير للحميع، ويؤدي عمله بتفانٍ إلى ابعد الحدود، وليس اسقاطاً لواجب.. نتمنى له كل الخير والتوفيق في مهامه المستقبلية..

الاثنين، 17 فبراير 2014

إزاحة الغموض جزئياً عن أسباب تحطم الطائرات العسكرية



تحقيق مستمر مع فنيين ضبطوا متلبسين بتجهيز متفجرات قرب سكن الطيارين
احباط محاولتين لتحطيم طائرة بقطع اطارها وتعطيل اخرى في نوفمبر الماضي

تحطم طائرة عسكرية في حي الزراعة وسط صنعاء فبراير 2013


المصدر- سامي نعمان
بعد ثلاثة أعوام من العمليات الغامضة والاستهداف المستمر للقوات الجوية، من داخلها وخارجها، يبدو أن ثمة صدفة قادت لاكتشاف أفراد من منتسبي القوات الجوية، ضبطوا متلبسين بأدوات جريمة، كتلك التي تفضي لتحطم طائرات في الأرض أو السماء، أو مقتل ضباط في سياراتهم أو في الطرقات.
وحتى وقت متأخر من مساء الأحد، كان محققون من شعبة الاستخبارات العسكرية في القوات الجوية يجرون تحقيقات مكثفة مع ثلاثة من منتسبي القوات الجوية ضبطوا، مساء الخميس الماضي، متلبسين بمحاولة زرع عبوات ناسفة ومتفجرات حول سكن طيارين ومهندسين في قاعدة الديلمي الجوية بصنعاء.
وقال ضابط رفيع في القوات الجوية، ومطلع على سير إجراءات التحقيق لـ"المصدر أونلاين"، إن التحقيقات جارية مع ثلاثة أفراد من منتسبي القوات الجوية ضبطوا وبحوزتهم عبوات ناسفة ومتفجرات، مساء الخميس، بعد أكثر من ساعتين على الهجوم على مبنى السجن المركزي بصنعاء، لكنه رفض الربط بين الحادثين حتى يتضح عكس ذلك.
وأشار الضابط إلى وجود حريق بين الأشجار عند الثامنة مساءً قبل اكتشاف المجموعة بساعة تقريباً، مرجحاً أنها كانت محاولة مفتعلة لإلهاء الخدمة والحراسة والشرطة الجوية عما يقومون به.
وقال طيار في اللواء السادس، وهو أحد ألوية الطيران المنضوية في إطار قاعدة الديلمي، إن المذكورين ضبطوا وهم يقومون بزرع عبوات "تي إن تي" ومتفجرات أخرى حول سكن الطيارين والمهندسين والفنيين العاملين في القاعدة.
وأكد أن السكن يضم جناحاً مخصصاً كاستراحة لقائد القوات الجوية السابق محمد صالح الأحمر، وهي حالياً غرفة طوارئ تعرف بـ"الدار الحمراء".
وعلم  "المصدر أونلاين" أن المسؤول عن زنزانة الأفراد هو من كشف الأفراد الثلاثة، وهم يقومون بتحركات مشبوهة، وعمل حفر جوار سكن الطيارين، فقام باستدعاء الشرطة الجوية على الفور، وتم ضبطهم وبحوزتهم عبوات ناسفة، وأسلاك كهربائية.
وقال الطيار إن الشرطة الجوية عثرت على عبوتين ناسفتين مُعدتين للتفجير، مرجحاً أن تكون تلك العبوات خاصة لزرعها في طائرات سوخواي 22، خصوصاً أن أحد المضبوطين يعمل في صيانة إحداها.
وحصل "المصدر أونلاين" من ضابط مطلع على التحقيقات على أسماء الثلاثة المحتجزين على ذمة القضية، الأول هو "ح.ج" يعمل فنياً متخصصاً في صيانة كرسي طائرات السوخواي وملحقاته في السرب التاسع باللواء السادس طيران، وقريب آخر له لم يكمل دراسته في المعهد الفني، ويعمل فنياً كهربائياً (ع+إ.ج)، وشخص ثالث وهو فني "ر. ص".
وقال طيار على طائرات السوخواي إن المتهم الأول "ح. ج" سبق أن ضبط قبل حوالي شهرين بينما كان يحاول التسلل من الشبك إلى جوار طائرتين أميركيتين تم إهداؤهما مؤخراً إلى الحكومة اليمنية (طائرة الكاسا خاصة بالنقل والإمداد، وطائرة سيسنا خاصة بالاستطلاع والإخلاء)، من بين عشر طائرات أميركية أقر البنتاجون العام الماضي دعم الحكومة اليمنية بها، وتصل على دُفعات.
وأشار إلى أنه تم الإفراج عن الرجل بعد أن تم التحقيق معه.
الاختراق.. القاتل المستمر:
ليست المرة الأولى التي يكشف فيها اختراق للإجراءات الأمنية في القوات الجوية اليمنية، التي ما تفتأ تشدد الإجراءات بعد كل عملية اختراق، لتفتر عنها بعد فترة وجيزة..
وبدءاً من الأحدث، في نوفمبر الماضي، تمكن مجهول كالعادة من الدخول إلى هناجر طائرات سواخواي، وأقدم على إحداث قطع عرضي في الإطار الأمامي لطائرة سوخواي 22 برقم جانبي رقم 420، بواسطة منشار، إلى مستوى ما قبل الوصول إلى التجويف الحاوي للهواء.
ولولا أن تم اكتشاف الأمر قبل تنفيذ طلعة جوية بالطائرة لكانت قد أُضيفت إلى رصيد الجوية المهلك بالحوادث مجهولة السبب والفاعل. يقول طيار كان القطع كفيلاً بتحطيم الطائرة، إذ وبمجرد تبدأ الطائرة بعملية التسارع تمهيداً للإقلاع سينفجر الإطار وتتحطم الطائرة لا محالة، وإن نجت بمعجزة من التحطم لحظة الإقلاع فلن تنجو منه قطعياً مع وطأة الهبوط. في الأسبوع ذاته أيضاً، كان هناك محاولة لإعطاب طائرة أخرى..
دخل أحدهم، وهو في هذه الحالة فني متخصص بلا شك، إلى هناجر الطائرات وصعد فوق إحداها وقام بتحرير طلقات قذف فنار قمرة القيادة (الغطاء الزجاجي لقمرة الطيار)، وبمجرد تشغيل الطائرة، ويقوم المهندس بإزالة مسامير الأمان سيُقذف الفنار أوتوماتيكياً، وعطب كهذا لن يؤدي لتحطم طائرة، لكنه سيوقفها نهائياً، خصوصاً أن قطع غيار الطائرة نادرة وربما لن يجدوا لها بديلاً حتى في روسيا (الفنار لا يقذف إلا في حالة ما قام الطيار بنفسه، بعد إدراكه أن الطائرة ستسقط لا محالة، بسحب طلقات القذف التي تحرر الفنار وتقذفه أولاً، ثم تقذف بالطيار على كرسيه إلى الأعلى، ثم ينفصل الطيار عن الكرسي، وينزل كل منهما بمظلة خاصة).
يؤكد طيار في اللواء السادس، كان يتحدث إلى "المصدر أونلاين" بالهاتف مساء أمس، أن قيادة الجوية وعدتهم في حينه أن يتم تركيب كاميرات مراقبة خصوصاً بعد أن فشلوا في تحديد هوية الفاعل لكن حتى الآن، وحتى اللحظة، لم يتم تركيب أي من هذه الكاميرات المتوفرة في البقالات، كما هي متوفرة في المساكن الخاصة بالقيادات.
وفي عام 2011، تمكن مجهولون من دخول هناجر الطائرات في عهد قائدها السابق محمد صالح الأحمر وقاموا بزرع عبوات ناسفة، انفجرت في خمس طائرات سوخواي وانتينوف ومروحية مي 17، وأدت إلى تحطم  ثلاث منها، ولازالت اثنتان قيد الترميم حتى اللحظة - بحسب طيارين.
وتعتمد قاعدة العند على نوبات الحراسة التابعة للشرطة الجوية لمراقبة حدود أراضيها بإمكانيات متواضعة تعتمد على الرؤية المباشرة وتكتفي بمراقبة التدخل البشري، بيد أنها تفشل في ذلك.
وفي السادس من أكتوبر 2012، أعلن محافظ لحج أحمد عبد الله المجيدي أن الشرطة الجوية في قاعدة العند أحبطت عملية إرهابية كانت تستهدف القاعدة.
وقال المجيدي ل"26 سبتمبر نت" إنه تم ضبط سيارة مفخخة "نوع هيلوكس" تابعة لتنظيم القاعدة، كانت معدة لمهاجمة قاعدة العند، عُثر على متنها على كمية كبيرة من المتفجرات وأسطوانات غاز، بالإضافة إلى صواريخ "لو" وملابس نسائية وملابس طيارين للتمويه وخمس قطع سلاح.
وقال لـ"المصدر أونلاين" ضابط في العند إن السيارة قديمة موديل 79، كانت تحاول المرور من جهة الأرض الزراعية، وتجاوزت نوبات الحراسة ودخلت في حدود القاعدة، لكنها واجهت عوائق طبيعية، أو خللاً فنياً، وتعثرت في طريقها (غرزت)، وبعد إدراك من كانوا عليها من عدم قدرتهم على النفاذ إلى القاعدة الجوية تركوها وفروا قبل أن يكتشفها المزارعون في الأراضي المجاورة ويبلغوا الشرطة الجوية بعد فترة وجيزة.
وفي أبريل الماضي 2013، قُتل ثلاثة طيارين مدربين عند أحد المطبات في الشارع العام بالحوطة، بينما كانوا متوجهين إلى مقر عملهم في اللواء 39 تدريبي.
ومطلع مايو 2013، تعرضت صهاريج الوقود في العند للحريق دون أن تكشف أسبابه وملابساته، بعدها تمت إقالة قائد فرع الشرطة الجوية بالعند وبعض معاونيه على ذمة القضية.
وفي أواخر أغسطس من العام الماضي، قُتل ضابط في القوات الجوية وجرح 28 آخرون بانفجار عبوة ناسفة زُرعت بحافلة نقل تابعة للقوات الجوية في شارع الستين الشمالي بصنعاء، وعزا حينها مدير المركز الإعلامي للقوات الجوية مهدي العيدروس السبب إلى اختراق أمني.
طيارون يجزمون: طائرة الخمسين سقطت بعبوة ناسفة
وطالب طياران في اللواء السادس، في اتصال مع "المصدر"، رئيس الجمهورية وقيادة القوات الجوية بإعادة فتح التحقيق في سقوط الطائرات السابقة، خصوصاً الثلاث الأخيرة منها التي سقطت فوق صنعاء (طائرتا سوخواي 22 سقطتا في الزراعة والخمسين، وطائرة انتينوف في الحصبة)، إضافة إلى طائرة ميج 21 تدريبية تحطمت في مطار العند عند محاولتها الإقلاع. ويشكك طيارون في جدية التحقيق بملابساتها.
وقال أحد الطيارين لـ"المصدر أونلاين" "بالنسبة للطائرة التي تحطمت في شارع الخمسين فقد بات مؤكداً لدينا بشكل أقرب إلى الجزم أنها تحطمت بعبوة ناسفة زُرعت في كرسي الطيار"، نافياً بالمطلق فرضية تعرضها لإطلاق نار من الخارج.
وأكد أن القطعة التي وجدت في مكان الحادث، وعليها ثقوب، لم تكن لأعيرة نارية من رشاشات بالمطلق، وثمة روايتان حولها: إما أنها ليست من جسم الطائرة أو أنها ناجمة عن انفصال أجزاء من الطائرة عن بعضها، وتلك الثقوب ناجمة عن مسامير الكبس (الريبيلت)، ولم يتم اثبات انها من الطائرة.
وأضاف "دعنا نحسبها علمياً: الطيار بدأ بدخول منظومة الهبوط من المسافة البعيدة (يتم الدخول فيها والنزول من ارتفاع 4 كم، وهي سرعة انزال العجلات والقلابات، ومسافة 40 كيلومتراً، في حالة الظروف الجوية السيئة أو تراكم السحب)، وتحطمت الطائرة على بُعد 31 كيلومتراً من رأس المدرج، وبدأت تتهاوى من ارتفاع 1500 متر".
وأشار الطيار إلى أنه لو تم الانسياق وراء فرضية تعر�'ض الطائرة لإطلاق نار وفي قطعة واحدة وبثقوب متقاربة، فذلك يعني أنها أمطرت مطراً بالرصاص، من رشاش 23 مضاد للطيران، وذلك كافٍ لعمل ثقوب، لكنه لا يعني بالضرورة أن يفضي لإسقاطها من ذلك الارتفاع إلا إذا أصاب أماكن حساسة في الطائرة كخزانات الوقود.
وأضح أن العديد من الطائرات تعرضت لإطلاق نار بعضها نجت وعادت إلى قاعدتها بسلام دون أن تتضرر أو تتأثر، كما حصل مع بعض الطائرات في العند خلال فترة الحرب في أبين، وكانت الطائرات تعود سليمة. كما أن النقيب طيار توفيق الظبري نجا من تحطم طائرة سوخواي 22 عام 2011 في أرحب بعد أن تعر�'ضت لإطلاق صاروخ حراري "استريلا" مضاد للطيران، وتمكن من القفز من الطائرة باستخدام الكرسي القاذف.
وأكد الطيار أن "فرضية التدخل الخارجي باتت في مؤكدة في تفجير الطائرة التي ذهب ضحيتها الطيار هاني الأغبري، ما لم يكن هناك معلومات قطعية تثبت عكس ذلك، أو تتغلب في شواهدها على ما بتنا مقتنعين به من خلال تحرياتنا الخاصة، خصوصاً أن الطيار لم يبلغ بخلل فني أو تعرذضه لإطلاق نار، وبدأ مرحلة الهبوط، وانقطع الاتصال بعدها".
وقال إنه وزملاءه لا يتهمون المضبوطين بمحاولة زرع العبوات الناسفة، الخميس، جوار سكن الطيارين، لكنهم أيضاً لا يبرئونهم، مطالباً بإجراء تحقيقات شفافة، وإن لم تعلن على الرأي العام لحساسيتها أو لمحاذير أمنية، فيجب أن يبلغ بها المعنيون من الطيارين والمهندسين والفنيين وأهالي ضحايا الطائرات السابقة.
التدخل الخارجي والصفقات الفاسدة تثير قلق الطيارين
وإذ شدد الطيار على خطورة الاختراق الأمني، نوه أن ذلك لا يعني بالضرورة أن "جميع الطائرات سقطت تبعاً لتدخل خارجي، "فبعض الطائرات وارد فيها بقوة فرضية الخلل الفني، خصوصاً تلك طائرات الصفقة الأخيرة التي أبرمت عام 2008، والتي تم إيقاف الطيران عليها مطلع الشهر الجاري".
وأقرت لجنة مشكلة من قيادة القوات الجوية، تضم مسؤولين وطيارين وفنيين، مطلع الشهر الجاري إيقاف جميع طائرات السوخواي 22 التي دخلت الخدمة في اليمن ضمن الصفقة الأخيرة المبرمة عام 2008، بسبب المشاكل الفنية في أغلبها.
كما أقرت إيقاف استقدام الطائرات المتبقية من الصفقة، والتي لم يتم تسلمها حتى الآن، من روسيا البيضاء، طبقاً لطيارين أكدوا أن أغلب طائرات الصفقة فيها أعطال قاتلة، وأن الطيران فيها يتم بالحظ لا أكثر.
وجاء القرار بعد أن تمكن عصام شحرة، وهو طيار برتبة نقيب، من السيطرة على الطائرة (تحمل الرقم الجانبي ٢٢٣١) بعد أن قامت بعمل ميلانات مفاجئة يمين يسار، وتزيد زوايا الهجوم، وهي خارج نطاق سيطرة الطيار، بينما كان في المرحله النهائية من الهبوط، وعلى ارتفاع 100 متر، غير أن شحرة تمكن من تدارك الوضع، إذ ألغى الهبوط ورفع العجلات والقلابات وقام بعمل دوره ثانية للهبوط، تمكن بعدها من الهبوط بسلام.
وأبرمت صفقة يصفها الطيارون بالمشبوهة، لشراء سرب طائرات سوخواي 22 (12 طائرة) في عهد القائد السابق للقوات الجوية محمد صالح الأحمر، عام 2007، وتم استقدام اكثر من نصفها إلى اليمن، في حين لازالت بقية طائرات السرب في روسيا.
إجراءات احترازية منفعلة .. ولا جدية
يبدو الحظ حالف الطيارين والمهندسين والأفراد أكثر من قيادة القوات والشرطة الجوية، إذ أسهمت الصدفة وحدها في كشف مخطط لقتل العديد منهم، وربما تفضي لكشف الكثير من الخيوط التي ظلت مخفية وتحمل على الفاعل المجهول والانفلات الأمني في كوارث الطائرات المتعاقبة واغتيال الطيارين والمهندسين، بقدر ما يعتمد ذلك على الجدية والشفافية في التحقيقات، وفي اتخاذ إجراءات احترازية.
وحتى مساء أمس، كان الإجراء الاحترازي الوحيد الذي وجهت به الجهات المعنية في الجوية هو منع خروج الطيارين والمهندسين من سكنهم بعد الثامنة مساءً.. كما يبدو إجراءً انفعالياً أبعد عن الديمومة والمنطقية، يبدو التفكير بشيء من قبيل كاميرات المراقبة أبعد من حدود الخيال.
===============
نشر التقرير في صحيفة المصدر بتاريخ 16 فبراير واعيد نشره في موقع المصدرأونلاين
http://almasdaronline.com/article/54774


السبت، 8 فبراير 2014

مآلات الصراع الجاهلي في الشمال


بإمكاننا أن نتصور الآن مشهداًَ مختلفاً للدولة المدنية التي ينشدها الطرف القريب من صنعاء –إذا ما أكمل مشواره- مدججاً بجحافل مسلحين قبليين غير نظاميين، وترسانة أسلحة لا تمتلكها سوى الدول، ولا ينقصها حتى الآن سوى الطيران.
لا يرغب عبدالملك الحوثي بالحكم ولن يكون واجهته، ولا يريده أصلاً، إذا ما أنجز خطته في السيطرة والاستحواذ.. الرجل يستلهم تجربة مرجعية المرشد في إيران، باعتبارها أعلى وأسمى نظرية للحكم، على تخلفها ومناقضتها لأبسط مقتضيات المدنية والمساواة، على أن هذا لا يعني بالضرورة وجود علاقة ودعم إيراني مباشر للرجل لإنجاز مهمته.
كتبت قبل قرابة عامين أن الرجل لا يرغب بتأسيس حزب سياسي، ولا بسلطة محافظة، ولا رئاسة دولة، إذ يرى نفسه أكبر من هؤلاء جميعهم، في موقع المرجعية للجميع، دولة وسلطة وأحزاباً وجماعات، وراسم سياسات، بواجهة دولة تنفذها.. بطبيعة الحال أتحدث عن استلهام التجربة الإيرانية المتخلفة في الحكم، وليس عن شيء آخر من قبيل الدعم المباشر الذي لا أملك دليلاً عليه، سوى التقارب المذهبي.
ثمة كومبارس كُثر يتغنون بالدولة المدنية والحقوق والحريات والمدنية، ويتذمرون من تخلف الأحزاب ونزعتها الإقصائية في مضمار السياسة، لكنهم يكبَّرون ويهللون لميليشيا مسلحة، وسيلتها البائنة حتى الآن هي العنف لإقصاء الخصوم، مع رتوش سياسية تحضر للاستشهاد بحسن النوايا، دون أن تغير شيئاً من قبيل مشاركتها في الحوار.. وهؤلاء الكومبارس المدنيون، هم من سيتكفلون بإكمال المشهد الكرتوني لدولة الميليشيا التي تقاتل من أجل المدنية.
خلال الأشهر الماضية، خاضت جماعة الحوثي، وأطراف أخرى قبلية ودينية، ومختلطة، حروباً جاهلية مقيتة، وباعتباره الطرف الأقوى، وريث الدولة في صعدة، كسلطة أمر واقع، جرت الأمور لصالحه، وتمكن من تغيير موازين القوى السائدة لعقود في شمال الشمال، قبلية ودينية.. ألغى السلفيين بالمجمل واستفرد بمشهد صرخة الموت واللعنة.. أقصى شيوخ آل الأحمر في قبائل حاشد بشكل شبه نهائي، وأضاف نفوذها القبلي وقوتها المسلحة لرصيده، الذي طالما ناشدنا الدولة الهاجعة سحبه لصالحها، وطالما أنها لم تفعل، فقد حضر من يؤدي ذلك الدور لصالحه.
أصبح لدينا طرف مستأسد، يتقدم على ما دونه من الميليشيات القبلية، طوعاً وكرهاً، يندفع معززاً بمظلوميته التاريخية، ويجهز على مراكز القوى القبلية، ويستبيح جغرافيا نفوذها التي خرجت عن سلطة الدولة، بتواطؤ منها أو بدونه، على أنه رغم ذلك كله، لا زال يتحدث عن ذلك التغول، باعتباره دفاعاً عن النفس، لكأنه يعيش ذات أجواء حروب صعدة الست مع نظام صالح.
ليس من المنطق الحديث عما يجري، باعتباره ثورة حاشدية ضد مشايخ آل الأحمر المتسلطين.. بكل تأكيد تمكن الحوثي من كسب مناصرين كثر من تلك المنطقة ومناطق كثيرة في اليمن، بأخطاء خصومه، سلطة، ومراكز قوى عسكرية، وتيارات سياسية، لكنه استخدمها ووظفها ووجهها ودعمها لصالح ثأره، وحصد نتائجها لصالح مشروعه الخاص، وليس لصالح مشروع وطني يؤسس للدولة المدنية التي يزايد بها، أو يروج لها منظروه.
مستقبل الدولة المدنية في المناطق التي سيطر عليها الحوثي، وأخرى يتوقع السيطرة عليها لا يحتاج لكثير من الإجهاد لاكتشافه.. فالسلطة التي حكم بها في صعدة هي التي ستعمم.. لا صوت يعلو فوق الصراخ بالموت واللعنة، جماعة واحدة تنشط، والويل لمن يخالفها، ذلك ما حصل مع السلفيين، كجماعة دينية مسلحة مخالفة أيديولوجياً تمثل أقلية في إطار سلطة الأمر الواقع للحوثي، وبعد أشهر من المواجهات كان مآلها إلى الخروج، باعتباره الحل المتاح والأسلم.
بالنسبة للأطراف السياسية الأخرى، فإن عليها أن تعمل وفقاً للمحددات التي يضعها الطرف النافذ بقوة من تلك الصراعات، تماماً كحال صعدة في العامين الأخيرين التي طغى فيهما حكم جماعة الحوثي، وتراجع فيها أي حضور للأطراف السياسية.
لازال أمام القوى المدنية والسياسية الحية في البلاد أن تعمل شيئاً وتتكاتف ضماناً للدولة التي بقيت على الحياد حتى الآن، ولم تتورط في الصراع بشكل مباشر، واكتفت بدور الوسيط لإيقاف جذوة الحرب المشتعلة التي تتطاير شراراتها لتلهب بؤراً خامدة في مختلف مناطق البلاد.
القوى المدنية التي تؤمن بالتعايش والعمل السلمي ينبغي أن تشكل جبهة ضغط جديدة، وتصطف سلمياً، بعيداً عن التجاذبات السياسية، وتتدخل لصالح حضور الدولة، التي يحظى فيها الجميع بحقوقهم السياسية والمدنية، وفقاً لما تم إنجازه في مؤتمر الحوار، بتوافق معظم الأطراف مهما كانت الملاحظات عليه، لإنجاز عقد اجتماعي مدني جديد يحظى فيه جميع أبناء الوطن بفرص متكافئة، وتتنافس جميع الأطراف على إدارتها وفقاً لبرامج سياسية وأسس ديمقراطية واضحة، تطور الهامش الديمقراطي، لا بحكم القوة والسلاح.
وعلى الدولة أن تلملم شتاتها، وتعمل بمسؤولية على شغل الفراغ الذي خلفته سابقاً وحالياً، وشغلته مراكز القوى والجماعات المسلحة، وبغير ذلك فلن يكون المستقبل سوى مزيد من الصراعات والجبهات المشتعلة، وسيكون خيار العنف مبرراً لبعض الأطراف السياسية في ظل استعلاء الطرف المنتصر وفرض شروطه على الجميع، لتنتج سلسلة متوالية من الصراعات التي ستكون عواقبها وخيمة على البلاد برمتها.
saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 08 فبراير - شباط 2014


السبت، 1 فبراير 2014

فوضى عسكرية ..!!



مرة أخرى تطل الفوضى برأسها من المعسكرات، لكن بشكل أكثر وقاحة وهمجية بعد أشهر من الهدوء النسبي، إذ سبق أن سادتها الفوضى خلال الفترة التي تلت الانتفاضة الشعبية وحتى ما بعد إصدار قرارات هيكلة الجيش في أبريل 2013.
وأن يصل الأمر بضباط وجنود في معسكر حد الاعتداء على مؤسسة حكومية رسمية، والسيطرة عليها، فذلك يعني أن وحدة في الجيش تتحرك بحرية مستغلة طابعها النظامي المفترض، وإمكانيات ومقدرات الدولة، لتمارس سلوك الميليشيات والعصابات المسلحة التي تقتل وتفتك وتنهب المواطنين متخففة من أي التزام أو مسؤولية..
اقتحام مبنى محافظة الحديدة من قبل ضباط وأفراد إحدى كتائب اللواء العاشر، للضغط على المحافظ لتوقيع وثائق تثبت تمليكهم أراضي تابعة لإحدى مؤسسات الدولة، يؤشر لوضع خطير ومزرٍ للغاية، بعد عام من الهيكلة، بغض النظر عن الموضوع المشكل الذي تسبب في فعلهم المشين ذاك.
مثل ذلك العمل يوحي أن بعض وحدات الجيش لن تتورع أن تمارس سلوك الميليشيات وبشكل أكثر جرأة وعنجهية حينما يتعلق الأمر بمصالح أفراد أو ضباط فيها أو نخب مرتبطة بها، دونما اكتراث لطبيعتهم النظامية، ومهامهم العظيمة، إذ يرتبط عملهم بحماية سيادة الدولة، وليس استباحة حرمتها في الداخل.
وعلى العكس من ذلك تماماً، يبدو كثير من هؤلاء وأمثالهم مسترخين للغاية أمام بلاغات توجه لهم من قبل مواطنين، بتهريب سلاح أو مخدرات، أو احتراب بين مواطنين، ويبدون التزاماً حرفياً بنصوص مهامهم، ليؤكدوا أن مثل ذلك لا يدخل ضمن مسؤولياتهم، وكأن اقتحام محافظة الحديدة، أو إدارة أمن، أو أي منشأة حكومية أخرى مؤصلة في القانون.
عرفنا سابقاً أن قيادات عسكرية نافذة كانت تُسخِّر وحدات الجيش وإمكانيات الدولة لحماية مصالحها، وتعزيز نفوذها.
وأن يتجاوز الأمر تلك القيادات الفهلوية المستهترة ليصبح سلوكاً وممارسة يتسم به الأفراد والضباط لحماية مصالحهم المفترضة بعيداً عن القضاء، وهم الذين طالما اشتكوا غطرسة قياداتهم وفسادهم، فذلك ينمّ عن مشكلة كبيرة في ثقافة ومسؤولية رجال الدولة، يوشك تدهورها وانحطاطها أن يودي بالدولة برمتها قبل مصالح الآخرين حينما تتقاطع المصالح.
أي خسارة تخسرها البلاد، إذ تنكب برجال دولتها المفترضين، الذين يفرطون في أبسط تقاليد وقيم الدولة، ليستبسلوا في مواجهتها ذاتها وانتهاك حرمتها وضربها في الصميم متى اقتضت ذلك المصلحة الخاصة أو ثقافة الاستحواذ بالقوة، عوضاً عن الدفاع والتفاني والتضحية في الدفاع عن مكانتها مهما ضعف أداؤها وزادت سلبياتها.
وزارة الدفاع معنية بالوقوف بشكل صارم وحازم في مواجهة أي أعمال أو تصرفات همجية من ذلك القبيل، ومحاسبة المسؤولين والمتورطين فيها، بمختلف مستوياتهم، وإحالتهم للقضاء العسكري، وإعمال القانون بشكل صارم عليهم وغيرهم من المزاجيين في افتعال الفوضى والعبث في قبول ورفض القيادات، وكأن أمر قيادات الجيش أصبح مطروحاً للخيارات المزاجية أو حتى العقلانية.
****
تقييم إيجابية تعيين ناطق باسم القوات المسلحة يعتمد على أداء الناطق العقيد سعيد الفقيه، ومدى تعامله بشفافية ومصداقية مع وسائل الإعلام، ومدى ما توفره له المؤسسات العسكرية من معلومات واضحة، على أن القرار يبقى إيجابياً.
الرجل متخصص عسكرياً وإعلامياً، وهو معني بكسب ثقته.. الإعلام معني بالتواصل معه، ومن الخطأ أن يظن البعض أنه وبتعيين ناطق رسمي للجيش توقفت مسؤولية الصحافة في التحري وراء الأحداث من مصادر أخرى، على أن لا تغفل صوته بالضرورة.. الإعلام المستقل ليس ملزماً سوى بخدمة الحقيقة والتحري وراء ما قد يتحفظ عليه الناطق الرسمي من معلومات، مع توخي أقصى درجات الدقة والمهنية.
أتمنى على الناطق الرسمي أن يسهم في تعزيز الشفافية وخدمة الحقيقة وحق الرأي العام في المعرفة، وأن لا يقبل بحصر مهمته في النفي والتكذيب.. الناطق الرسمي للجيش والإعلام اليمني بمختلف توجهاته معنيان بالالتزام بالمسؤولية وتحري الدقة والابتعاد عن التضليل أو التلفيق في قضايا وأمور شديدة الحساسية وربما الخطورة كتلك المتعلقة بشؤون الجيش.
saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 01 فبراير - شباط 2014


السبت، 25 يناير 2014

حوار من أجل الدولة والمواطنة


تُطوى اليوم مسيرة عشرة أشهر من مؤتمر الحوار الوطني، استُغرقت في نقاش قضايا شائكة ومعقدة، ودراسة جذورها وأبعادها وتداعياتها، وتقرير حلولها التوافقية، التي ستشكل أساساً لصياغة عقد اجتماعي جديد، يضمن الحقوق ويصون الحريات، ويؤسس لدولة محترمة مثّل غيابُها المزمن عمق المعضلة اليمنية المتشعبة في كل اتجاه.
ومهما تباينت الآراء والمواقف حول الحصيلة النهائية التي أفضت إليها تلك النقاشات في تشخيصها لجذور الأزمات والمشاكل محل الحوار، ورؤيتها للحلول والمعالجات، إلا أن القيمة الحقيقية لتلك المخرجات تتمثل في ترجمة النصوص إلى سياسات وإجراءات تُحدث تغييراً يلمس أثره الناس في حياتهم، وتحقق تطلعاتهم في بناء دولة مدنية ملتزمة، تقوم على حكم القانون، والعدالة والمواطنة.
وأن يخوض اليمنيون غمار تجربة كهذه لم يألفوها بكل ذلك التنوع المتنافر في الأيديولوجيا والمصالح والتوجهات، وبتلك الأجندة المثقلة بإرث ماضٍ متضخم بمظالم متراكمة، وحروب مدمرة، وعدالة غائبة، وشراكة منتهكة، ومواطنة منتقصة، ودولة مغتصبة، فذلك بحد ذاته يعد إنجازاً معتبراً يؤسس لثقافة حضارية راقية، ومجتمع مسالم متعايش، متى ما استلهم الفرقاء قيمة الحوار، وآمنوا بها، واعتمدوها منهجاً لحل خلافاتهم، بعيداً عن نزعة الإقصاء، وسلوك العنف، وغواية الحروب.
وتبعاً لحداثة التجربة، وغياب الثقة والحسابات الضيقة والانتهازية لدى بعض الأطراف، وغياب التهيئة الملائمة للحوار تطاول عمر المؤتمر بأربعة أشهر على عمره الأصلي، ووصل المتحاورون إلى مستويات معقولة من التوافق، وتكفلت لجنة التوفيق بحسم تفاصيل كثيرة محل خلاف وتباين في وجهات النظر.
اختتام مؤتمر الحوار، ليس النهاية بل هو بداية مرحلة جديدة من العمل المرتكز على أسس توافقت عليها معظم الأطراف،ويتصدر مهامها صياغة دستور يضمن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، وفقاً للموجهات التي رسمها مؤتمر الحوار، إضافة لمنظومة قانونية منسجمة مع الدستور، وتلبي تطلعات المواطنين في ضمان حقوقهم وحرياتهم وكرامتهم.
وإجمالاً يبقى الحوار بكل قضاياه، ومخرجاته، سواء تلك التي حظيت بتوافق كامل، أو تلك التي لازال هناك خلاف في تفاصيلها حتى الآن كعدد الأقاليم، مجرد نصوص، سيعاد صياغتها في نصوص دستورية وقانونية، تحدد ملامح وشكل الدولة، وصلاحيات مؤسساتها والأقاليم والوحدات الإدارية والعلاقات فيما بينها، لكن عقدة اليمنيين الدائمة تمثلت في العلاقة بين النصوص، وترجمتها على الواقع، في العلاقة بين المواطنين والدولة، المحكومة بالدستور والقانون.. تلك العلاقة كانت قاصرة للغاية، ويتم تطبيقها بشكل مزاجي، في ظل غياب المنظومة الفعالة المتكاملة لأجهزة الدولة وخصوصاً الأمنية منها، والسلطة القضائية.
وإذا كانت المسألة كذلك، فإن الحوار، وما يترتب عليه من إجراءات وصياغة عقد اجتماعي، ومنظومة قانونية، إن لم تفضِ لبناء دولة قوية، تؤدي وظيفتها بمسؤولية والتزام وتحفظ مصالح المواطنين، وتضبط العلاقة فيما بينهم، وفقاً لمبدأ المساواة، فلن تكون أكثر من نصوص تضاف إلى سابقاتها التي كانت مشكلة، عوضاً عن كونها حلاً لها.
بدون تحقيق الدولة القائمة على المواطنة والحكم الرشيد، فلن يكون قادم الأيام سوى تعقيد إضافي يضاف إلى القضايا وآثارها المتراكمة والنزعات العصبوية المتناسلة، التي أصبحت مصدر قلق للجميع في مختلف أنحاء البلاد.. وذلك ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد الأقاليم في الدولة الاتحادية الجديدة، ليؤدي التقسيم الجديد دوره الفعال في تخفيف المركزية المفرطة.
أمام اليمنيين فرصة سانحة لبناء الدولة، إذا ما روعيت مقتضيات وجودها وإثبات هيبتها، وبسط نفوذها على جميع أراضيها، وسحب رصيد القوة من مراكزها لصالحها، بما يمكنها من إعمال قوانينها على الجميع دون استثناء، وضمان المواطنة والشراكة وتكافؤ الفرص وتعزز الإدارة بما يعوض اليمنيين عن عقود من غياب الدولة وإضعاف هيبتها كانت تبعاتها على حساب أمنهم وتنمية وطنهم ومستقبل أجيالهم.
مخرجات مؤتمر الحوار أمام محك اختبار حقيقي من قبل القوى المشاركة في الحكم، لتضع نصب اعتبارها مصلحة الوطن، بعيداً عن الحسابات الأنانية والفئوية الضيقة، وتكون أساساً لبناء الدولة القادرة على أداء وظيفتها، وبغير ذلك فلن تكون سوى عقدة إضافية تهدر سنوات إضافية من عمرهم في الحروب والصراعات، عوضاً عن التنمية وبناء الإنسان.
saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 25 يناير-كانون الثاني 2014
http://www.algomhoriah.net/articles.php?lng=arabic&aid=44838

الثلاثاء، 21 يناير 2014

مأزق الفهلوة الدبلوماسية اليمنية.. سامي نعمان



يوم أمس غادر جثمان الدبلوماسي الإيراني الذي قتل في صنعاء، في جريمة بشعة يوم السبت كنتيجة طبيعية للرخوة الأمنية، والاجراءات الشكلية الهزيلة، التي تستأسد على الدراجات، وتتراخى عن السلاح وحامليه.. ها قد قتل الرجل دون الحاجة للاستعانة بدراجة نارية، فماذا أنتم فاعلون للنظر أبعد من حدود الوسيلة المساعدة، دون أداة الجريمة المباشرة.
اغتيال أبو القاسم أسدي جريمة بشعة، لا تعني دبلوماسياً إيرانياً فقط، بل تصيب الدولة اليمنية في العمق.. اغتيال أسدي جاء بعد أشهر من اختطاف زميل آخر له، لا زال مجهول المصير حتى اللحظة.
وأمام عجز السلطات عن تحقيق شيء على صعيد الإفراج عن الأول، تعرضت لصفعة قوية ومحرجة بمقتل الآخر، إذ تجد نفسها عاجزة عن القيام بدورها الأساسي الجوهري في تأمين الدبلوماسيين الأجانب، وفقاً للقوانين الدولية المنظمة لعمل البعثات الدبلوماسية.
قتل الدبلوماسيين سيجر مزيداً من الخراب على البلاد، وسيغلق كثيراً من أبوابها القليلة التي لا زالت مفتوحة مع العالم، وان كان الباب الإيراني موصداً بطريقة انتهازية وسخيفة، إذ استمرأ صانع القرار اليمني مواجهة إيران إعلامياً، دون أن يلجأ للوسائل المتعارف عليها في كل بلدان العالم، بما فيها جمهوريات الموز، برسائل الاحتجاج الدبلوماسية، استدعاء السفراء، تقليص التمثيل الدبلوماسي، او حتى إغلاق السفارات، ولا بأس حينها ان كان الطرف هنا يرغب في تسريب إعلامي، يكون اقل حرجا حينها ويبعد عن سياسة الدولة الرسمية صفة الفهلوية لتزامنه مع رسائل دبلوماسية.
بقيت السفارة الايرانية في صنعاء مفتوحة، وسفارتنا في طهران على تمثيلها ذاته الذي خلفه نظام صالح، وسط مخاض متعسر لتعيينات السفراء.. غادر السفير الإيراني السابق قبل أشهر خارج البروتوكول، كان رئيس مجلس النواب أرفع مسؤول يمني وربما الوحيد الذي التقاه للتوديع.. لم يلتقه الرئيس هادي ولا رئيس حكومته (كانت بعض اللقاءات التي يطلبها السفير الإيراني مع رئيس الحكومة او بعض الوزراء، تحال إلى وزير الدولة المستقيل حسن شرف الدين).. قبلها رفضوا استقبال نائب وزير الخارجية الإيراني الذي زار اليمن لتسليم دعوة للرئيس لحضور قمة دول عدم الانحياز في طهران.
كلاهما مثلتا مناسبتين ملائمتين للغاية لتوجيه رسائل دبلوماسية راقية مهما كانت غاضبة وحادة، لكنها ستأتي في سياق الأعراف الدبلوماسية للدول، لكن الدولة تصر على مخالفة أعرافها، وانتهاج سياسة محرجة، لها، ومهما حاولت استغلالها إرضاء لتكتلات إقليمية فإنها لن تحظى بمقابل مغرٍ يعوضها جانب من تخليها عن قيم وأعراف الدولة.
في ظل كل تلك الاتهامات الموجهة لإيران عبر الأعلام، بعيداً عن القنوات الدبلوماسية، جاءت الحادثتان الأخيرتان لتوجها صفعة محرجة للحكومة اليمنية وسياستها، إذ وجدت نفسها في مواجهة احتجاجات ومطالب ايرانية قانونية وجادة، ومن الصعب ان تستمر في تصعير الخد تجاه إيران، وقد أضحت صاحبة ادعاء قانوني مثبت ضد الحكومة اليمنية.
على بقية عقل هذه الدولة أن يعي هذا الأمر، ويدرك ان التعامل بقيم وأعراف الدولة عندما يظن ان بيده ورقة ضغط ضد دولة أخرى، يوفر عليه كثيراً من الحرج، عندما تتكاثر الأوراق المحرجة بيد خصمه ضده.
رحمك الله يا أسدي، وخالص التعازي لأشقائنا الإيرانيين، وأمنياتنا لدبلوماسيتنا اليمنية بالتعافي، وللأمن بأن يصحو ليفي بالحد الأدنى من مهامه الجوهرية المتوافق عليها دولياً بما يحفظ بعضاً من الاحترام للدولة في الخارج، اذا كانت لا تعبأ باحترام الداخل.
http://almasdaronline.com/article/53884
نشر المقال بتاريخ 21 يناير 2014

السبت، 18 يناير 2014

دماج.. مأزق التعايش ..!


حين كان عبدالملك الحوثي يخطب في الحشود التي حضرت احتفالية رعتها جماعته بذكرى المولد النبوي، مؤكداً على المصالحة والشراكة الوطنية، ويده الممدودة بالإخاء والتعاون والمحبة لكل مكونات الشعب، كان مكون يقيم ضمن حدود منطقة نفوذه وسلطته، يحزم أمتعته لمغادرتها، بعد مواجهة مسلحة وغير متكافئة، أعيت الوسطاء عن الخروج بحلول يتنازل فيها الطرفان بما يحفظ دماءهم، ويصون التعايش بينهم.
بدا مؤلماً مشهد عشرات الأسُر، بنسائها وأطفالها وشيوخها، وهي تغادر دماج-التي ولدوا وعاشوا فيها، أو أقاموا لعقود وسنوات- إلى المجهول، بعد أن ازدادت أوضاعهم سوءاً باندلاع جولة الصراع الأخيرة..
مآلات النزاع في دماج كانت صادمة للغاية، وما كان ينبغي لها أن تبلغ ذلك المستوى الكارثي، على الإنسانية والعدالة والدولة والمجتمع، لتصل حد المساس بالتعايش كقيمة إنسانية ضامنة لحقوق ومعتقدات المواطنين، بعد أن تجاوز الصراع حده القابل للاحتواء، لتغدو الخيارات الماثلة أمام الطرف الأضعف مجحفة ومؤلمة، إذ انحصرت بين الحرب والمغادرة.
بالنسبة لبلد يمر بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، على كافة المستويات، ويزيد من خطورتها نزعات متناسلة تبحث عن عصبيات صغرى، فإن التأسيس لحل كذلك الذي طغى عليه التعصب الأيديولوجي، يعزز نزعة الاقصاء والتفرد، بما يوحي وكأن حلول النزاعات باتت أقرب إلى التسليم بخيار الانقضاض على قيمة التعايش في ظل غياب الدولة والعجز عن معالجة جذور الصراعات.
وإذا كانت النزاعات التي تتورط فيها الجماعات المسلحة، تؤول إلى تلك النهاية، فذلك يعني أن الجميع يخسر..
المجتمع والدولة.. الطرف الأقوى قبل الأضعف.. الضالعون فيه والمتفرجون عليه..
من يشعرون بنشوة الانتصار، أو المرحّلون أملاً في حفظ حق الحياة..
المتحمسون للبحث عن مبررات معيبة تغطي سوأة الجريمة، أو أولئك الذين يستغلون الانتكاسة الإنسانية للتشنيع بخصومهم المتورطين فيها..
يخسر الجميع وطناً، إذ يفرطون بقيمة التعايش، حتى وإن استدعى ذلك خيار حفظ الأرواح، باعتباره أخف الأضرار وأقلها قبحاً، على المدى القريب، لكن تبعاته لن تكون أقل مأساوية مستقبلاً، خصوصاً إذا ما استمرأ المتحاربون غياب الدولة.
والأنكى من ذلك كله؛ أن الطرف المستأسد في ذلك النزاع، المتحمس لرعاية احتفالات دينية تتجاوز عقدة المذهب، يجد غضاضة في التعامل مع آخرين إلى جواره، ولا يتوخى، بما هو الطرف الأقوى، تجنب نتائج وخيمة لصراع يمس قيمة التعايش، والمواطنة كأهم قيم ومرتكزات الدولة المدنية التي يستبسل في المطالبة بها.
جماعة الحوثي، تواجه معضلة بالغة الحساسية والخطورة، تتناقض مع دعوات قيادتها المعلنة، التي تنادي بدولة ومواطنة.
وحين يربط زعيمها بين شرط تخليه عن السلاح وقيام الدولة بحكومة غير عاجزة أو مرتهنة للبعض ممن يريدون استهدافه، فذلك يعني أنه قدم شرطاً مستعصياً، إذ إن بقاء جماعته كميليشيا مسلحة تشكل القوة الأكبر في البلاد حالياً، إضافة لميليشيات أخرى، يشكل العائق الأكبر أمام قيام الدولة.
كان حرياً به أن يبادر بما يحقق الهدف الذي يطالب به، بإبداء الاستعداد الفوري للتخلي عن السلاح تزامناً بين الميليشيات الأخرى بما يعجّل بقيام الدولة التي تكون قادرة على حمايته.
تلك الدولة هي الحلقة المفقودة في صراع الخصوم، والتي بات لغيابها المزمن كلفته الباهظة على الجميع دون استثناء..
ليس من مصلحة الحوثي ولا السلفيين ولا أي مواطن في هذه البلاد أن تقوم الدولة بدور لا يمت لقيمها بصلة ويضرب في الصميم هيبتها، إذ تحضر كوسيط بلا حول ولا قوة، يركز جل جهده المخلص في إظهار الحياد وكسب ثقة المتحاربين، لإبرام هدنة مؤقتة، أو حل نهائي بكلفة باهظة وخطيرة على مستقبل البلاد والتعايش بين أبنائها، إذ يكون خروج مواطنين بالمئات من موطنهم، أقرب من معالجة جذور النزاعات وتعزيز التعايش.
وإذا ما استمرت الميليشيات، متمسكة بسلاحها، ومشترطة قيام الدولة أولاً للتخلي عنه، فإنها لن تقوم ولن تحضر إلا بتلك الصورة السلبية التي ظهرت عليها مؤخراً في دماج..
وبدون سحب رصيد القوة من كافة الميليشيات لصالحها بما يعزز حظوظ الدولة والمواطنة، فلن يكون هناك طرف منتصر وآخر منهزم في أي مواجهة، بين أطراف تناوب مواقع القوة والمظلومية..
يخسر الجميع، إذ يغتصبون مهام الدولة ويضحون بالوطن..
saminsw@gmail.com
نشر المقال في صحيفة الجمهورية السبت 18 يناير-كانون الثاني 2014
http://www.algomhoriah.net/articles.php?lng=arabic&aid=44705

الثلاثاء، 14 يناير 2014

تسييس ذكرى مولد الرسول الكريم.. من القذافي إلى جماعة الحوثي

سامي نعمان
عرف الاحتفال بالمولد النبوي كفعالية دينية ارتبطت كثيرا بالنسبة لليمنيين بالطريقة الصوفية والمتأثرين بها من المذاهب الأخرى، وخصوصا الشافعية، ومثلها في ذلك مثل مناسبات دينية أخرى كالاسراء والمعراج ورأس السنة الهجرية والنصف من شعبان.
كانت بعض الأسر تقيم احتفالا عشية الذكرى يطلق عليه "المولد" يشمل مأدبة عشاء، وأناشيد خاصة بالمناسبة، وغالبا ما كان ذلك التزاما متوارثا تبعا لوصية أحد الأجداد الذي خصص لإحيائها وقفا خاصا يغطي نفقاتها.. 
في بعض المناطق كصنعاء كان الاحتفال بالمناسبة يتم احياؤه في المساجد، بمحاضرات لمشائخ دين وعلماء يستحضرون ارهاصات مولد الرسول الكريم، وظروف ولادته وبعضا من سيرته، يتخللها ارتفاع الاصوات بالصلاة على الرسول الكريم.. 
وبالنسبة لكبرى المساجد فإنها تحظى بتغطية الاعلام الرسمي، وكان يوم ميلاد الرسول الكريم إجازة رسمية، لكنها ألغيت في السنوات الأخيرة، ربما تبعا لآراء دينية ترى في تمييز الذكرى ”بدعة”، إضافة لمحاولة ترشيد الاجازات الرسمية طبعا.. 
لكن المناسبة لم تكن تحظى برعاية طرف سياسي.. وعلى مستوى العالم الاسلامي، فإن ما بدا يطفو على السطح على الاقل في غضون السنوات الاخيرة، من ملازمة المناسبة بالسياسة هي المهرجانات التي كان يقيمها الزعيم الليبي السابق معمر القذافي الذي كان يحشد لها شخصيات سياسية واجتماعية بالعشرات ومن معظم دول العالم الاسلامي تقريبا، في اطار محاولات العقيد الراحل لاستعراض شعبيته، وتأثيره المزعوم.
كان يحضرها احتفالات الزعيم الليبي شخصيات يمنية، واتذكر انه قبل بضعة أعوام كان وفد اليمن يضم سبعين شخصية واغلبها اجتماعية، حضرت الفعالية التي اقيمت في مدينة تمبكتو والقى الشيخ سلطان السامعي كلمة كممثل للوفود التي حضرت المهرجان.
الجديد في اليمن، أنه وفي غضون الثلاث السنوات الاخيرة، دأبت جماعة الحوثي على رعاية احتفالات كبيرة تحشد لها عشرات الآلاف من مختلف المحافظات اليمنية، رغم أنه اهتمام طارئ إذ يأتي على هذه الشاكلة من الجماعة ذات المذهب الزيدي، التي كان دأبها بل وخلافاتها مع السلطات سابقا على إحياء المناسبات التي تحمل دلالة معينة في إطار المذهب الزيدي، ومنها على سبيل المثال احتفالية الغدير او عاشوراء..
بعد تجاوز الجماعة لمرحلة الحروب مع نظام صالح، بعد الانتفاضة الشعبية التي شهدتها اليمن وما وفرته لها من مناخ ملائم لها في ظل سعيها المكثف للانتشار واستقطاب أنصار وموالين جدد، وخصوصا من خارج إطار مذهبها، بما يسوقها كحركة متجاوزة لعقدة المذهبية، رغم أنها لم تتحول للإطار السياسي بعد، ونشاطها لازال مختزلا بشكل رئيسي في رؤيتها الدينية، ومواجهاتها المسلحة، رغم انخراطها في مؤتمر الحوار. 
اهتمام جماعة الحوثي بالاحتفال بالمولد يأتي في سياق الاهتمام بموروث الأطراف الأخرى من المذهب الشافعي والصوفيين والأشاعرة، والسنة عموما، واظهار الانفتاح على المناسبات التي تعني ذوي الطرق الاخرى من خارج الطرف الشيعي، بما يكسبها الثقة، ويحدث بعض التوازن مع المناسبات الخاصة باتجاههم الديني، التي ان بقيت ملازمة لها فحسب فقد تثير حفيظة الاخرين، أخدا في الاعتبار أن تيارات اخرى سنية كالسلفيين تحرم تلك الاحتفالات، هذا كله بطبيعة الحال بغض النظر عما تعنيه تلك المناسبات في الحالتين للطرف الاخر الا ان كل توجه ديني يحتفظ بخصوصياته اكثر.
اعتقد ان جماعة الحوثي تسعى من خلال احياء المولد لاستعراض شعبيتها، وقدرتها على الحشد المتنوع، واظهار مساحة انفتاحها في مناسبات جامعة للمذاهب والمكونات الاجتماعية، ومن جهة أخرى تعادل بها كفعالية دينية جانبا من حضورها الطاغي كجماعة مسلحة تخوض هذه الايام حروبا في خمس محافظات شمالية في مواجهة قوى دينية نقيضة كالسلفيين او عشائرية اخرى كشطر من قبيلة حاشد.
وبالتالي فهو محاولة لجماعة دينية، لم تتشكل سياسيا في إطار منظم حتى الآن لتوظيف المناسبة لتغطية جانب من الغياب الكبير في الحقل السياسي لمجرد استعراض شعبية، لا تمتلك حتى الان اي مناسبة سياسية لحشدهم فيها ومباراة الاحزاب في مضمار السياسة التي تتلكأ كثيرا في مسيرتها.. 
هي كذلك توجه بذلك رسائل للاخرين سلطة وتيارات سياسية بثقلها الذي لا يمكن القفز عليه ليؤخذ في الاعتبار في اي ترتيبات سياسية مستقبلية.