الأحد، 13 فبراير 2011

صناعة النهاية بأقل قدرٍ من التضحيات!

سامي نعمان*

انهم أنانيون للغاية...

بالنسبة لشعوب عربية عاطفية، وانظمة مصلحية، جمهورية كانت او ملكية، سيكون بإمكان الحاكم ان يحافظ على مصالحه ويطيل أمد حكمه

دون مشاكل تذكر، فقط بمراعاة الجزء اليسير من مصالح المواطنين.

لكن ان تُحكم بنظرية فرعون : "أليس لي ملك مصر"! و " ما أريكم إلا ما أرى"..

أن يكون الشعب في نظر الحاكم عالة عليه.. رعايا لا مواطنون..

فتلك أنانية خالصة لا تستند إلى مسوغات من عقل أو منطق..

ان تحكم بنظرية أنا ودوني الطوفان.. ولا بديل لي سوى الفوضى أو الصوملة أو العرقنة.

تلك نماذج فعلية لا تعترف أنها مستنسخة من الصومالي محمد سياد بري والعراقي صدام حسين؟ رغم اقرارها ان البديل هنا سيكون كما البديل هناك.. هي مفارقة غير منطقية أيضاً!!

لكن الشعوب تحكي اليوم خياراً أكثر واقعية وجدوى وأقل كلفة من خيارات الحكام تلك التي يسوقونها كبديل لاستبدادهم..

تدرك الشعوب أن بناء المجتمعات لا يكون بترك التضحيات، أو تأجيلها.

هذا هو البديل المؤرق للحكام، الخلاق للأمم إذ يُعمّد بشرعية الإرادة الشعبية الحقّة.

إنها ثورات الشباب التي لا يملك الحاكم وسيلة لمواجهتها سوى استنفاد آخر أدواته السلطوية الفارغة.. أسلوب البلطجة!!

وذلك ما أوردهم المهالك.

حسنته الوحيدة انه فقط، وبأسلوب البلطجة هذا يضعف علاقته بكرسيه ويعجل بنهايته دون إرادته، ظانّاً انه بذلك يُدعّم أركان حكمه المهترئ بمساوئ عقود عجاف استغرقها في المنفعة الشخصية والاستبداد والدكتاتورية المغلفة بالديمقراطية والشرعية الشعبية الزائفة، وإن عُمدت يوماً بنتيجة الـ 99%.

هل يملك مبارك أو بن علي اليوم 1% من ذلك الاجماع الوطني..

غيرهم لازالوا يملكون، طالما أنهم يمسكون بتلابيب حكم البلدان التي صُيّرت مزارع خاصة لأسر بعينها.

لكننا نستحضر الآن أن بن علي سيّر عشية رحيله آلاف الهتّافين في الشوارع مسبحين بحمد خطاب الفهم الاخير..

كذلك فعل مبارك في أسلوب بلطجي مشين حين اخرج رعاع حاشيته بالبغال والخيول والحمير لشق ثورة الشعب في مشهد مخزٍ ومذل، ترى فيه حاكماً لم يكن لأتباعه ما يباهون به الآخرين سوى ما يزعمونها خبرة طويلة لصاحب ملك عضود اكتسبها في عشرات السنين المنهوبة من أعمار الناس، يصل بعدها إلى هذا المستوى من الانحطاط في التعامل مع ثورة فجرها شباب بصدور عارية..

واليوم أكثر المنتفعين من تلك الانظمة يصمونهم بأقذع العبارات والألفاظ.

لقد استوعبوا مقدمة الدرس فقط لكن في وقت متأخر لحسن حظ الشعوب..

السابق قال فهمتكم.. واللاحق "وعيت مطالبكم"..

يستذكرون وقت الغرق أن لشعوبهم فتات حقوق، يعدون بها على أمل زيادة العمر في الكرسي.. حتى يوماً واحداً..

يالها من شهوة زائلة ومهينة.. بعد عقود من التسلط على رؤوس العباد تستجدي بضعة اشهر، أو ثلاث سنوات، أملاً في تجاوز المرحلة.

لا يستذكرون اليوم من عقود الحكم سوى رعب اللحظات الاخيرة.. حين تلاحقهم لعنات الشعوب، وفي أحسن الأحوال أحذيتها.

لا تجدي المسكنات نفعاً لدى شعوب طالما أمِلت بلفتة انسانية، ليس لتحقيق حياة كريمة بل التماسا في استعادة حق منهوب أو كرامة مغتصبة، من رجال حكم وسطوة ونفوذ، طاعنين في السن والحكم، موغلين نهباً وسلباً في ثروات البلاد وانتقاصاً لأعمار الاجيال ايضاً.

لم يعد ذلك ممكناً الآن، فأحلام الشعوب تجاوزت لقمة العيش إلى اللاسقف، حيث الحرية والعدالة ودولة المؤسسات والمواطنة التي طالما استجداها كثيرون..

لكنها الحقوق تنتزع لا تستجدى..

إذا ثارت الشعوب فإنها تنسى فقرها وفتات الحقوق الذي حلمت به حيناً من الدهر، وتتطلع نحو الحرية والكرامة فقط وبأي ثمن..

يحسبون القبضة الأسرية والعصبوية على مؤسسات الحكم المدنية والعسكرية إنقاذاً لهم من غضبة الشعب يوما ما... لكن العكس ما يكون...

فكلما كان الدكتاتور اكثر استخداما لأدواته الأسرية خصوصا الجيش والأمن، كلما كان أكثر ضعفاً وجبناً ورعباً.. تلك معادلة المصالح التي حكمت علاقتهم بالمحكومين على الدوام واوردتهم مصيرهم المحتوم، حين أوصلوا الشعب إلى لحظة لم يعد يفكر فيها أن لديه شيئاً يخسره أو يخاف عليه.

إن الحاكم اذا زادت مصالحه واسرته، وتوسعت شبكة المنتفعين من فساده على حساب شعب يجني فتاتاً يتآكل كل يوم، ولا يكاد يفي حتى بحق الحياة.. كلما تعاظمت في المقابل حدة الغضب منه، و تناسلت هواجسه حتى من اقرب المقربين إليه، وكلما أصبح أكثر عرضة للانهيار بهزات هي الأضعف بـ "رخيتر" ثورات الشعوب..

وبأقل قدر من التضحيات!!

* صحفي وكاتب يمني

saminsw@gmail.com

نشر المقال في موقع لكم المغربي

ليست هناك تعليقات: